الوجدان في لغة الرقائق


الوجدان في لغة الرقائق

1. مدخل عام

1.1. الرقائق : تمهيد لغوي واصطلاحي.

جاء في لسان العرب لابن منظور، الرقيق نقيض الغليظ والثخين، والرقة ضد الغلظ. واستعمل أبو حنيفة الرقة في الأرض فقال: أرض رقيقة وعيش رقيق الحواشي: ناعم. وفي حديث عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر رضي الله عنه، رجل رقيق أي ضعيف هين، ومنه الحديث: أهل اليمَن هم أرقُّ قلوبا وأقبَل للموعظة، والمراد ضد القَسوة والشدَّة، وترقّقّتْه الجارية؛ فتنتْه حتى رق أي ضعف صبره. والرقّة: الرحمة، ورققتُ له أرقُّ رحمتُه، ورَقَّ وجْهُه اسْتحيا، والرِّقُّ المِلكُ والعبودية، وترقيقُ الكلام؛ تحسينه، وترقَّقْتَ له إذ رَقَّ له قلبك[1].

والرِّقاق أو الرقائق جمع رقيقة، تطلق في الاصطلاح على الكلام أو الأثر الذي يُحدِث سمْعه أو قراءته رقَّةً في القلب.

وقد ضمّن البخاري في صحيحه كتابا أسماه “كتاب الرِّقاق”، جمع فيه الأحاديث التي تُؤثر في القلب وتُوقظ فيه مشاعر الخوف والرجاء، والزهد، وذكر الموت، ومحبة الله ورسوله، والدار الآخرة، وأحاديث متعلقة بالجنة والنار، والقبر والحشر والقيامة…

والقرآن الكريم ملئ بالآيات المرتبطة بموضوع الرقائق، بما يدعو إليه من التقوى، والتبتُّل، والتهجد، والزهد، ومجاهدة النفس، والتعلق بالدار الآخرة. بل هناك سور بأكملها تتمحور حول هذا الموضوع؛ مثل سورة “ق”، التي يقول عنها سيد قطب رحمه الله: “إنها سورة رهيبة شديدة الوقع بحقائقها، شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري، وصورها وظلالها وجرس فواصلها، تأخذ على النفس أقطارها، وتلاحقها في حركاتها، وتتعقبها في سرها وجهرها وفي باطنها وظاهرها، تتعقبها برقابة الله التي لا تدعها لحظة واحدة من المولد إلى الممات، إلى البعث إلى الحشر إلى الحساب…”[2]. ولهذا كان كثيرا ما يجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم محور خطبته يوم الجمعة. وإذا كان موضوع الأدب هو الكلام المنظوم والمنثور من حيث فصاحته وبلاغته، فإن فائدته أن يمنَع صاحبَه من زلّة الجهل، وأن يروّض الأخلاق ويليِّن الطبائع، ويعين على المروءة، وينهض بالهِمَم إلى طلب المعالي والأمور الشريفة.

وأدب الرقائق قد ضرب بسهم كبير في هذا المضمار، إذ استهدف رسالة في علم النفس والأخلاق، والتربية والسلوك، لا يستطيع أن يحلِّق حول قممها سواه، وذلك بحديثه العميق والمتمتع عن شهوات القلب المتنوِّعة، وأهواء النفس الظاهرة والخفيّة، ونوازع الخير والشر، وهو في كل ذلك يصدُر عن عاطفة إيمانية قوية ومشاعر حية، وتجاربَ نفسية وروحية عميقة وغنية.

2.1. مختارات من أدب الرقائق:

إن المتأمل في أدب العرب قبل مجيء الإسلام تستوقفه بعض النصوص والآثار المعبّرة عن موضوعات لها علاقة بالنفس والمَعاد، وإن كان الغالب على هذا الأدب معالجة أمور المعاش.

ولا شك أن البيئة الاجتماعية والمناخية قد أثرت تأثيرا عميقا في نفسية الشاعر الجاهلي الذي كثيرا ما كان يناجي السماء والنجوم والرمال والنخيل… كما أن بقايا الحنيفية الإبراهيمية كان لها حضور نسبي في ثقافة العرب وقتئذ، حيث تجلى ذلك في بعض الحكم والأقوال والأشعار، كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم : “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، بالإضافة إلى أن بعض العرب كان قد تنصّر في الجاهلية كوَرقة بن نوفل.

ومن بين نصوص الأدب الجاهلي التي لا تخلو من ارتباط بمجال الرقائق، قول الشاعر زهير بن أبي سلمى، وقد كان حليما معروفا بالورع متدينا موْقنا بالبعث والحساب:

فَلاَ تَكْتُمُنَّ الله مَا فٍي نُفُوسِكُم           لِيَخْفَى وَمهْم يُكْتَمِ اللهَ يَعْلَمِ

يُؤخَّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَر                 لِيَوْمِ الحِسَاب أو يُعَجََّلْ فَيُنقَِم[3]

وقال قُسُّ بن ساعدة الإيادي، خطيب العرب قاطبة، وحكيمهم، في خطبة من خطبه في سوق عكاظ: “أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج ونهار ساج، وسماء ذات أبراج… إلى أن قال: إن في السماء لخبرا،  وإن في الأرض لعِبَرا، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون ؟ أرضوا فأقاموا؟ أم تُركوا فناموا؟ يُقسم قسٌّ بالله قسَما لا إثم فيه أن لله دينا هو أرضى لكم، وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه.

بُلينا وما تُبلى النجومُ الطوالعُ          وتبقى الديار بعدنا والمصانع

إلى أن يقول:

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه        يحُورُ رمادا بعد إذ هو ساطعُ

وما المال والأهلون إلا ودائعٌ          ولابـد يومـا أن ترد الودائعُ

وقال أيضا:

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ        وكل أناس سوف تدخل بينهمْ         وكل امرئ يوما سيعلم غيبَــــه وكل نعيم لا محالة زائل              دُوَيهيَةٌ تصفر لها الأنامل            إذا كشفتْ عند الإله الحصـــائل

وقد أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أصدق بيت قاله شاعر هو:

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ        وكل نعيم لا محالة زائل

ولِسَحْبَانِ وائلٍ الخطيبِ المِصقع المُخضرم كلام ذو صلة بالرقائق حيث يقول في خطبة من خطبه : “إن الدنيا دار بلاغ والآخرة دار قرار، أيها الناس خذوا من دار ممركم لدار مقركم. ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم. ففيها حييتم ولغيرها خلقتم. إن الرجل إذا هلك قال الناس ما ترك ؟ وقالت الملائكة ما قدم ؟ قدموا بعضا يكون لكم، ولا تخلفوا كلا يكون عليكم”[4].

وعندما جاء الإسلام وأشرق نوره في الجزيرة، وخالطت بشاشته قلوب المؤمنين، وسرت روحُ الوحي في كيانهم، خشعت جوارحهم وأفئدتهم ونطقت ألسنتهم بالمعرفة والحكم، وسأقتبس من أقوالهم المشهورة ما يرتبط منها بموضوع الرقائق.

قال الخليفة أبو بكر الصديق، رضي الله عنه في خطبة له: “أين الوُضَّاء الحسنةُ وجوهُهم المعجبون بشأنهم ؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان ؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب ؟ قد تضعضع بهم الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور، ألْْوَحًا ألْوَحًا، النجاء النجاء”[5].

“وعن عبد الله بن عامر قال : رأيت عمر بن الخطاب أخذ تِبنة من الأرض فقال : ليتني كنتُ هذه التبنة، ليتني لم أخلق، ليت أم لم تلدني، ليتني لم أكن شيئا، ليتني كنت نسيا منسيا”[6].

و”عن ابن مسعود أنه كان يقول إذا قعد يذكر : “إنكم في ممر من الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطيئ بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدّر له، فمن أعطي خيرا فالله أعطاه ومن وقي شرا فالله وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة. ومجالسهم زيادة (رواه الإمام أحمد)”[7].

“وعن حبيب بن عبيد أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال له : أوصني، فقال له اذكر الله عز وجل في السراء يذكرك في الضراء، فإذا أشرفت على شيء من الدنيا فانظر إلى ماذا يصير (رواه أحمد)”[8].

وقال هريم بن حيان لأويس القرني أوصني، فقال : “توسد الموت إذا نمت، واجعله نصب عينيك، وإذا قمت فادع الله أن يصلح لك قلبك ونيتك، فلن تعالج شيئا أشد عليك منهما، بينا قلبك معك ونيتك إذا هو مدبر، وبينا هو مدبر إذا هو مقبل، ولا تنظر في صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت”[9].

ومن التابعين داود الطائي، صاحب الأقوال والحكم في الزهد والرقائق؛ منها قوله : “ما أخرج الله عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر”[10].

“وقال له رجل أوصني، فقال : عسكر الموت ينتظرونك”[11].

وقال ابن سمّاك حين مات داود الطائي : ” يا أيها الناس إن أهل الدنيا تعجلوا غموم القلب وهموم النفس وتعب الأبدان مع شدة الحساب، فالرغبة متعبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والزهادة راحة لأهلها في الدنيا والآخرة، وإن داود الطائي نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأعشى بصر قلبه بصر العيون، فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر. فإنكم منه تعجبون وهو منكم يتعجب، فلما نظر إليكم راغبين مغرورين قد ذهبت على الدنيا عقولكم، وماتت من حبها قلوبكم، وعشقتها أنفسكم، وامتدت إليها أبصاركم، استوحش الزاهد منكم لأنه كان حيا وسط موتى”[12].

وللحسن البصري رحمه الله كلام كأنه الدرر واللآلئ، حتى كان يقال : اشبه كلام المسلمين بالأنبياء كلام الحسن البصري.

إن في ما ذكرت من النصوص يكفي لتقديم صورة موجزة ومركزة عن موضوع الرقائق، ولا يتسع المجال لأكثر من ذلك. هذا وإن أدب الرقائق أدب خصب ومعطاء، لم تنضب عيونه على مر السنين، ففي كل قرن من قرون التاريخ الإسلامي تبرز أعلام ونوابغ في هذا الميدان مخلفة آثارا أدبية منظومة ومنثورة، آية في الرقة والجمال والحكمة. وحسب الباحث في هذا الشأن أن يتصفح مثلا كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي، وأصله حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني أو سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي؛ حيث ترجم هؤلاء العلماء لمئات من الشخصيات الأدبية والدينية التى دونت آثارا راقية في الزهد والرقائق.

ولقد تميزت لغة الرقائق من حيث المبنى ببلاغتها وروعتها، وجلالها وسحرها، وشدة تاثيرها في النفوس، لما اشتملت عليه من حكمة، وصدق، وحق، وجمال، ونور. كما أن ألفاظها مأنوسة في الاستعمال، حسنة الوقع في الأذن، متآلفة ومنسجمة. والانسجام عند أهل البلاغة هو أن يأتي الناظم أو الناثر بكلام خال من التعقيد اللفظي والمعنوى، بسيطا مفهوما، دقيق الألفاظ، جليل المعنى، لا تكلف فيه، يتحدر تحدر الماء المنسجم. وهذه الأوصاف والمزايا يلمسها القارئ كثيرا في لغة الرقائق لقوة الصدق عند أصحابها، وسلامة ذوقهم، وتوقد أفكارهم. ومن حيث العبارة فإنها غالبا ما تنزع نحو الإيجاز؛ حيث يقتصر المعنى على ما هو ضروري من الألفاظ، وعلى اللفظة الواحدة بدلا من الألفاظ المتعددة المترددة على معنى واحد. كما قد يتوسل في هذه العبارات بسجع لطيف عفوي غير متكَلَّف.

2. مظاهر الوجدان في لغة الرقائق

1.2. تمهيد لغوي واصطلاحي:

“وجد فلان يجد وجدا : حزن. وجد عليه موجدة : غضب. وجد به وجدا : أحبه. وجد مطلوبه وجدا ووجودا ووجدانا : أدركه… والوُجد : اليسار والسعة. وتواجد فلان : أرى من نفسه وجدة…

والوجدان في الفلسفة يطلق أولا على كل إحساس أولي باللذة أو الألم، وثانيا على ضرب من الحالات النفسية من حيث تأثرها باللذة أو الألم في مقابل حالات أخرى تمتاز بالإدراك والمعرفة”[13].

ويقصد بالوجدان في قاموس علم النفس كل ما يتعلق بالمشاعر والعواطف والانفعالات، ويتضمن تبعا لذلك الاتجاهات والقيم والميول والاهتمامات والتوافق والمزاج. والوجدان ثنائي القطب، فكل استجابة وجدانية لها استجابة وجدانية تناقضها، فالحب يناقضه الكره، والأمل يناقضه اليأس، والتقبل يناقضه الرفض.

وإلى عهد قريب كان علماء النفس ينظرون إلى الوجدان باعتباره “متغيرا غير منظم ومشوش، وتصعب السيطرة عليه وضبطه، وأنه يتناقض مع التفكير المنطقي. وقد سادت هذه النظرة منذ القرن الثامن عشر، وسميت بـ”حركة العقلنة” التي لا ترى للوجدان دورا يذكر في نجاح الفرد، وأن حياته ستكون أفضل لو تم تحكيم عقله وعزل انفعالاته، وحتى لا تشوش على التفكير السليم. وأن الانفعالات تعكس صورة غير حضارية للفرد.

وتتضمن الخبرة الانفعالية الوجدان السلبي والوجدان الإيجابي. فالوجدان السلبي بعد مزاجي، يتصف بأنه مؤلم مزعج، ويسبب نظرة سلبية للشخص عن ذاته. ويتكون الواجدان السلبي المرتفع من حالات وجدانية سلبية واسعة، مثل الخوف والعصبية والغضب والشعور بالذنب والازدراء والاشمئزاز والحزن والشعور بالوحدة. أما الوجدان السلبي المنخفض، فيعكس حالات الهدوء والسكون والاسترخاء والانسحاب. وأشار الباحثون إلى أن عامل الوجدان السلبي يشير إلى أن حالات المزاج السلبي تحدث معا، أي أن الشخص يشعر بالخوف والغضب والشعور بالذنب والحزن في نفس الوقت.

وتبعا لهذا الاتجاه، فقد اقتصر مفهوم الذكاء لدى معظم الباحثين، لفترة طويلة من الزمن، على الذكاء المعرفي فقط؛ الذي يشير إلى مجموعة من القدرات المعرفية كالتفكير المجرد والاستدلال والحكم والذاكرة وغيرها. غر أن هذه النظرة أثارت حفيظة بعض السيكولوجيين الذين شعروا بالخوف من سيطرة المدرسة المعرفية على العوامل الأخرى التي تتحكم في السلوك البشري، وفي مقدمتها العامل الوجداني، مما قد يؤدي إلى اختلال النظرة المتزنة إلى الإنسان باعتباره كائنا يجمع بين العقل والوجدان.

وأدى هذا الشعور بتحيز علم النفس إلى العامل المعرفي، على حساب العوامل الأخرى، إلى حدوث تغير في نظرة السيكولوجيين إلى الوجدان ودوره في حياة الإنسان، وإلى ضرورة الاعتراف بمكانته في التأثير على السلوك”[14].

وهكذا، في مطلع التسعينات من القرن الماضي ظهر اتجاه في علم النفس ينظر إلى الوجدان على انه ذو أهمية بالغة، بل أثبت أن هناك تداخلا وتكاملا بين الوجدان والتفكير. وعلى إثر المعطيات الجديدة، برز مفهوم الذكاء الوجداني والانفعالي.

وفي ميدان الأدب يهتم التحليل الأدبي بمعطيات الوجدان، من حس أو شعور أو ميل أو إرادة أو انفعال، أو غير ذلك مما يعتري الأديب أمام حدث من الأحداث، أو ظاهرة من ظواهر الحياة والكون ومرتكز ذلك كله؛ العاطفة الإنسانية المتأصلة في الفطرة.

إن الشاعر المبدع أو الروائي المقتدر يستمد من انفعاله الوجداني جذوة تحرك فيه أفكاره فضلا عن عواطفه، وتولجه عالم الباطن، مستطلعا أعماق النفس، مستكشفا ما يستتر في باطنه من عوالم وأسرار، ما كان يستطيع لمسها لولا تلك الجذوة الناتجة عن حرارة الوجدان.

إن المعاني الوجدانية الطافحة في الأدب، شعرا ونثرا، هي معاني عاطفية تناجى القلب وتخاطب الشعور والخيال، كما أنها معان صادقة نابعة من أعماق القلب، نابضة بحيوية الانفعال والتأثر، ومتعلقة بالعواطف الإنسانية.

وكما يتخذ التحليل الأدبي للأفكار مقاييس، كذلك فإنه يتخذ مقاييس للعواطف، والذي يراعى في النظر إلى العاطفة أمور أربعة هي: الصدق، والقوة، والروعة، والسمو.

2.2. صدق العاطفة وقوتها وسموها.

إن القارئ عندما يتأمل أدب الرقائق يكتشف أن كلماته ليست خرساء، وإنما هي ناطقة على الدوام، وأول رسالة تبعث بها إلى قلب قارئها رسالة الصدق الوجداني، وهو صدق يعبر عن “شعور حقيقي يختلج في نفس صاحبه. فالعاطفة الصادقة تضفي الحرارة والحياة على الأثر الأدبي وتجعل القارئ يشعر بمثل ما يشعر به الأديب. وهي تَنقل القراء إلى عوالم غير عوالمهم الواقعية، وتسري بهم إلى ملأ الرؤى التي بثها الأديب في أدبه.

وفي صدق العاطفة يكمن الفرق بين الأدب المطبوع والأدب المتكلف. أما المطبوع فيستهويك، ويمتعك، ويكسبك تجارب شعورية وفكرية جديدة. وأما المتكلف، فيزعجك، وينفرك، ويشعرك بالفتور، ولا يفيدك في شيء”[15].

لنستمع إلى الفقيه محمد بن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو يعبر بلغة الوجدان والعاطفة عن خوف المسلم من الوقوع في أسر الدنيا:

“لاح لهم المشتهى، فلما مدوا أيدي التناول بان لأبصار البصائر خبط الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثاني “يليت قومي يعلمون (سورة يس : 26). تلمح القوم الوجود، ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمروا للسير في سواء السبيل؛ فالناس منشغلون بالفضلات، وهم في قطع الفلوات، وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح”[16].

ويقول في السياق نفسه:

“اقشعرت الأرض وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح. وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه. فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح. وكأنكم بالباب قد أغلق، وبالرهن وقد غَلِق، وبالجناح وقد علق (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، سورة الشعراء : 227)”[17].

ويقول أيضا: “اشتر نفسك اليوم؛ فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير (ذلك يوم التغابن) سورة التغابن : 9، (ويوم يعض الظالم على يديه) الفرقان : 27″[18].

إن هذه النصوص الثلاثة تفيض حيوية وصدقا، كما تنطوي على عاطفة قوية يبدو معها التعبير الموحي حاملا شحنة من المعنى أوسع من نطاق أحرفه، لأن العواطف الجائشة تتدفق تلقائيا، وتنفذ إلى أعماق النفوس، وتحركها وتحملها على مشاركة الكاتب في وجدانه. ثم إن العاطفة المشعة من كلمات هذه النصوص من نوع العواطف السامية التي تسهم في الرفع من قدر الإنسان، وتذكره بحقيقته الجوهرية المتجلية في العبودية لله وحده، وتخاطب فيه معاني الإنسانية ومعاني الفطرة. ومما لا شك فيه أن الفكرة السامية المشبعة بالعاطفة الصادقة الجياشة، تلك الفكرة التي تسهم في الرفع من قدر الإنسان وتنزع به نحو الرفعة والعلا، هي أجمل قيمة وأطيب صدى من الأفكار الداعية إلى التبذل والسفه، أي الأفكار التي تعكسها العواطف المنحطة التي تشد صاحبها نحو ما هو مسترذل ومستقبح

3.2. ثنائية الخوف والرجاء:

إن موضوع الخوف والرجاء من الموضوعات الثابتة والمحورية في أدب الرقائق، فلا يخلو نثره وشعره من أوصاف وإشارات لها. كما أنهما دعامتان فئتان أساسيتان من دعائم تربية النفس وإصلاحها وتزكيتها. ولطالما اعتمد عليهما العباد والزهاد والصالحون من الفقهاء والعلماء والأدباء، وهم يسلكون سبيل التقوى وينشدون الدار الآخرة.

والعلاقة بين هذا الموضوع وعنصر الوجدان لا تحتاج إلى دليل وبرهان، كما لا يحتاج النهار إلى دليل، إذ يستحيل تصور حالة خوف أو رجاء دون حرارة وجدانية. “والوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة. قال أبو القاسم الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس.

وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.

وقيل : الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام. وهذا سبب الخوف. لا أنه نفسه.

وقيل : الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره.

و”الخشية” أخص من الخوف. فإن الخشية للعلماء بالله، قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، فهي خوف مقرون بمعرفة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : “إني أتقاكم لله، وأشدكم له خشية”.

فالخوف حركة. والخشية انجماع، وانقِباض وسكون. فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان.

إحداهما : حركة للهرب منه، وهي حالة الخوف.

والثانية : سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه. وهي الخشية…

وأما “الرهبة” فهي الإمعان في الهرب من المكروه. وهي ضد “الرغبة” التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه.

وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى. يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع.

وأما “الوجل” فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته، أو لرؤيته.

وأما “الهيبة” : فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة. والإجلال : تعظيم مقرون بالحب”[19].

من خلال هذه التعريفات لكلمة الخوف وللألفاظ القريبة منه أو المرادفة له، نستشف ارتباط وتلاحم الخوف بعالم الوجدان الذي ينعكس في اضطراب القلب وصفاته وما إلى ذلك من الحالات الانفعالية…

يقول الحارث المحاسبي في كتابه “الرعاية لحقوق الله”. ” باب ما ينال به خوف وعيد الله عز وجل”؛ قلت فبم ينال الخوف والرجاء ؟

قال: تعظيم المعرفة بعظيم قدر الوعد والوعيد.

قلت: فبم ينال عظيم المعرفة بعظيم قدر الوعد والوعيد؟

قال: بالتخويف لشدة العذاب والترجي لعظيم الثواب.

قلت: وبم ينال التخويف؟ قال بالذكر والفكر في العاقبة، لأن الله عز وجل قد علم أن هذا العبد إذا غيب عنه ما قد خوفه ورجاه لن يخاف ولن يرجو إلا بالذكر والفكر، لأن الغيب لا يرى بالعين، وإنما يرى بالقلب في حقائق اليقين، فإذا احتجب العبد بالغفلة عن الآخرة… ولم يخف ولم يرج إلا رجاء الإقرار وخوفه. وأما خوف ينغص عليه تعجيل لذته… إنما يجتلب بالذكر والفكر والتنبيه والتذكر لشدة غضب الله وأليم عذابه وليوم المعاد”[20].

إن الحوار الذي يؤطر كلام المحاسبي يعكس لغة وجدانية وانفعالية قصوى، فكلماته تتمحور حول الوعد والوعيد والفكر، وحقائق اليقين، كما يبرز مفهوم التخويف النفسي كأسلوب نافع في جلب الخوف إلى قلب المؤمن. إننا أمام مشهد من مشاهد المعاناة النفسية، تلك المشاهد التى عادة ما يحياها أصحاب القلوب الرقيقة، سواء أفصحوا عنها وترجموها إلى كلمات وجدانية أم ظلت حبيسة بواطنهم.

وحتى لا يطغى وجدان الخوف على المسلم فيلقي به في مهاوي اليأس والقنوط أمر الشارع باللجوء إلى الرجاء والتمسك به كي يحصل الاعتدال والإشفاق، قال تعالى: “وادعوه خوفا وطمعا” (الأعراف : 56) وقال أيضا “إن اللذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله” (البقرة : 218).

ومما يحسن الإشارة إليه، أن الإفراط في التخويف قد يأتي بنتيجة غير مرضية، ومن ثم ينبغي للمسلم أن يراعي التوازن بين حالتي الخوف والرجاء، لأن الإفراط في الخوف يؤدي إلى اليأس والقنوط، كما أن الإفراط في الرجاء يوقع في التهاون والكسل. وكان فيما قاله أبو بكر الصديق – وهو يودع الدنيا-  لعمر بن الخطاب. “… ألم تر يا عمر أنها نزلت آية الرجاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء، ليكون المؤمن راغبا راهبا، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه”[21].

ثم إن الخوف والرجاء متقابلان، أي أن الإنسان إذا تصور أحدهما تصور الآخر، فلا يتجرد أحدهما عن مقابله، فالذي يخاف من شيء يرجو في نفس الوقت النجاة منه، والذي يرجو شيئا يخاف أيضا فواته، فالرجاء إذن متصل بخوف خفي، كما أن الخوف متصل برجاء خفي.

و”القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر. فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحه. فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران. ومتى قطع الرأس مات الطائر. ومتى فقد أحد الجناحين فهو عرضة لكل صائد وكاسر. ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف. هذه طريقة أبي سليمان وغيره.

قال : ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف. فإن غلب عليه الرجاء فسد.

وقال غيره : أكمل الأحوال : اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب. فالمحبة هي المركب. والرجاء حاد. والخوف سائق. والله الموصل بمنه وكرمه”[22].

إن ثنائية الخوف والرجاء مبثوثة في أدب الرقائق، لغتها الوجدانية متينة وقوية ومعبرة، تراكيبها فصيحة سلسة، لا يتعثر فيها اللسان ولا الذوق، ولا تقع فيها على تنافر في الألفاظ أو تكرار رديء، أو غموض أو مخالفة لأقيسة اللغة، بل أنت واجد كلاما سهلا حسن الوقع في الأذْن مستحبا لذى الذوق، ألفاظه الحية ليست مستمدة من الذاكرة، بل من العاطفة المتدفقة.

وبهذه المناسبة، أسوق نصا من النصوص المعبرة عن ثنائية الخوف والرجاء، وهو وصف لحالة روحية وجدانية اعترتني في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي يوم كنت طالبا في الديار الفرنسية.

“بينما أنا جالس في غرفتي ذات صباح، قد أطلقتث العنان لخيالي، إذا بي أطل من نافذة على عالمي الجنة والنار؛ ينشرح صدري تارة وينقبض أخرى، ويهيم قلبي لحظات ويطرب لانعكاس ألوان النعيم في مرآته، ثم يضيق ويتألم لورود ما يخيفه ويزعجه من صور العذاب وهول الجحيم ، حتى غدا باطني مسرحا لصراع عنيف بين النعيم والجحيم، والشقاوة والسعادة، والطمأنينة والحيرة. وما هي إلا دقائق معدودة حتى فوجئت بنداء ينبعث من صميم قلبي، وهاتف يهتف بي: إلى متى هذا النوم؟ إلى متى هذه الغفلة؟ ألا من يقظة توقظ عزمك، وتضيئ ما ادلهم من ليل حالك، وتذيب حجارة القسوة الجاثمة فوق قلبك . أما آن لهذا القلب أن يلين ويخشع؟ ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)؟ ولهذه العين أن تبصر وتتبصر وتدمع؟ ما لهذا خلقت يا عبد الله؟ وما خلق الله شيئا عبثا أو سدى بل كل في فلك يسبحون وبكل لسان يسبحون، فأين لسانك؟ وأين قلبك؟ وأين قصدك؟ وما وجهتك؟.

هيهات هيهات، أتظن الأمر سهلا وتحسب الوجود عبثا ؟ كلا، فالأمر أعظم مما تتصور، والخطب أجل مما قد يخطر على بالك، والفضاء ضاق بما رحب، وعجلة الزمان أوشكت على التوقف، بعد أن أباد الأمم والقرون تعاقب الحركة والسكون، وليل نهارك قد جن عليك ولما تعاين نجومه، أقم قيامتك قبل قيامها، فهول القيامة أشد ما ينتظر والساعة أدهى وأمر. وليوقفنك رب العزة بين يديه وليسألنك سؤال عزيز مقتدر، وقتئذ تبلغ القلوب الحناجر، وتفترس الندامة الصدور، ويعض الظالم على يديه، ولات حين مناص.

ياعبد الله أنت أكرم على الله من أن تسحرك الدنيا بظلها الزائل، أو تعبث بك الشياطين وتزج بك في حمأة الشهوات والضلالات، وإلهك ينتظر رجوعك وتوبتك ويفرح بذلك أكثر من فرح أم برجوع ولدها المفقود.

ومرت الأيام وآثر ذلك الهاتف يزداد في النفس توقدا، وصوت النداء الباطني يزداد قوة وحدة، فعزمتُ على الخروج عن العادات والمألوفات، والاقتـداء بأرباب العزائم المشمرين إلى اللحاق بالملأ الأعلى، ووطنت نفسي على ذلك، كيف لا و”العمر قصير، والساعات طائرة، والحركات دائمة، والفرص بروق تأتلق، والأوطار في غرضها تجتمع وتفترق، والنفوس على فواتها تذوب وتحترق”[23]،

فلما استقرت في باطني بوارق اليقظة وانزعج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، أخذت في أهبة السفر إلى الله لا ألوي على شيء، وعقدت عقدا جازما على المسير ومفارقة كل قاطع ومعوق ومرافقة كل معين وموصل.

” قال الشاعر[24]:

فحــيّ على جنات عدن فإنهــــا

منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى

نعـود إلى أوطاننا ونسلـــم

ثم أعقب حال اليقظة والانتباه شعور عميق بالذل والانكسار، والخضوع والافتقار للرب سبحانه وتعالى، يقول رب العزة: ” يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد” [25].

4.2. المحبة الإلهية:

في هذا الموطن سالت أقلام المحبين بمداد الصفاء، وسطرت أشعارا وآثارا آية في الجمال والشوق والبهاء، حيث فاضت عاطفة الحب عندهم، فتجسدت في كلمات رقيقة طافحة بالسمو الروحاني. ولا ريب أن محبة المؤمنين لربهم أعظم المحبات، وكذلك محبة الله لهم هي محبة عظيمة جدا، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “يقول الله تعالى : من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبى يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشى، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه”.

“والمحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفاني المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام…

وفي حديث آخر: “إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله تعالى يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول : إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض”[27].

وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا عظيما يعجز الواصفون عن وصفه، بل يستحيل عليهم الإحاطة به لكونه متعلقا بذاته العلية، فإن حب العبد لربه قد تستطيع العبارة أن تترجمه وتصوره، لكن في فلتات قليلة من كلام المحبين مثل ما عبرت عنه رابع العدوية بقولها:

فليتك تحلو والحياة مريرة              وليت الذي بيني وبينك عامر      إذا صح منك الود فالكل هين        . وليتك ترضى والأنام غضاب                  وبيني وبين العالمين خراب           والكل الذي فوق التراب تراب       .

ومن أعظم الآيات المعبرة عن المحبة المتبادلة بين العبد وربه، قوله تعالى: “فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه” سورة المائدة، الآية 54.

” فهؤلاء هم الذين أحبوه لما هو عليه من جلالة القدر وعظيم الرفعة،  وهم على درجات، فمنهم : المحبون المشتاقون، حالهم القلق والحزن والحنين، ولزوم الباب، والتأوه والأنين، كما قيل : رب نظرة أورثت حزنا طويلا يحزنهم الستر لأنه فراق، ويقلقهم التجلي بحرقة الاشتياق، فعذابهم عذاب ليس كالعذاب، لأنهم مغرمون بجمال سيد الأحباب.

.

فأناخوا بباب الحبيب، وتملقوا بمناجاة القريب المجيب، يسمعون كلامه ويراقبون أعلامه فإذا تجلى لهم عاشوا، وإذا سترهم عنه طاشوا، لأن محبوبهم شيء عظيم لا يصبر عنه من وصف له فتحقق وصفه، فكيف بمن رآه بقلبه وأبصره، ويستفرغون الجهد في طلب وصله بعبادة القلوب والأجساد، ولم يدخروا منهم شيئا حتى تفطرت منهم الأقدام والأكباد، فأسرارهم مشغولة بذكره، وقد خالطهم العجب العجيب من حبه، لا يرون شيئا ولا يكلمون مخلوقا إلا ببعض قلوبهم كما قال بعض التابعين : إن لي ثلاثين سنة ما كلمت أحدا بجملة قلبي”[28].

وما اضطرمت نار في وجدان العباد وقلوبهم اضطرام نار المحبة والشوق إلى الله تعالى، وكثيرا ما أثر لهيبها في نور عقولهم، فزلتْ أقدامهم، فمنهم من خاض بحر العشق، فأوجعته أمواجه العاتية، ومنهم من وقع في أوحال الحلول أو وحدة الوجود، فغرق في مستنقعها تائها عن جادة التوحيد.

نعم، إن الانفعال المضطرم والمتدفق قد يصرع العقل ويخضعه لمنطقه أو ليقين اللحظة النفسية العارمة المستقطبة للزمن النفسي الوجداني. فتستوي وتعلو حقيقته الوجدانية الملتهبة على صفحة ذلك العقل الأسير، وتتربع على عرش مملكته. فتتسرب معاني المحبة القوية من باطن الوجدان إلى ساحة العقل وهي “سافرة”، مجردة من لباس “الحشمة والوقار” مطمئنة إلى غياب الرقيب العقلي الصريع. وممن كان ضحية هذه الحالات الباطنية المضطربة والخطيرة؛ الحلاج، والسهروردي، وابن الفارض، وابن عربي الحاتمي، وأبو يزيد البسطامي، ومحمد الحراق الصوفي المغربي، وغيرهم كثير.

بيد أن معظم الذين كتبوا في المحبة الإلهية لم يكونوا على هذه الشاكلة، بل كان شعرهم ونثرهم نقيا راقيا، ملتزما حدود الأدب والشرع، وإن تخلل ذلك أحيانا هفوات أو بعض الزيغ.

5.2. الذوق الإيماني

إن ارتباط الذوق الإيماني بالوجدان أمر أبين من فلق الصبح. والذوق كما يستنتج من آثار أصحاب الرقائق، ويستفاد من صدقهم وأحوالهم النفسية، هو إدراك الحقيقة بالشهود، وذوقها بواسطة الروح كذوق الطعام بواسطة اللسان.

ولن يتأتى ذلك للعبد المسلم ما لم يستحم في حمام التجربة الروحية من خلال تزكية النفس ومجاهدتها، والإكثار من الطاعات والقربات بخشوع وإخلاص.

والذوق أبلغ في الدلالة من الحدس، لأن هذا الأخير لا يفيد إلا الإدراك المباشر دون واسطة في مقابل الاستدلال. في حين أن الذوق لا يتعلق بالنظر، وإنما يقتضي حالا تتصل عندها النفس الذائقة بالموضوع المذاق. ومن هنا فإن الذوق سلوك، وليس الحدس كذلك، كما أن الذوق يحصل بالاستغراق في الوجد.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فذكر الذوق والوجد وعلقهما بالإيمان، فقال: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا” [29]، أي أن للإيمان طعما، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم الطعام والشراب. قال محمد بن قيم الجوزية : “  ثم ذكر أهل الإيمـان الذين ذاقوا طعمه، وهم الذين آمنوا به وبرسوله. ثم لم يرتابوا في إيمانهم. وإنما انتفى عنهم الريب: لأن الإيمان قد باشر قلوبهم. وخالطتها بشاشته. فلم يبق للريب فيه موضع. وصدق ذلك الذوق: بذلهم أحب إليهم في رضى ربهم تعالى؛ وهو أموالهم وأنفسهم. ومن الممتنع حصول هذا البذل من غير ذوق طعم الإيمان، ووجود حلاوته. فإن ذلك إنما يحصل بصدق الذوق والوجد. كما قال الحسن: “ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل”.

فالذوق والوجد: أمر باطن، والعمل دليل عليه ومصدق له. كما أن الريب والشك والنفاق أمر باطن، والعمل دليل عليه ومصدق له. فالأعمال  ثمرات العلوم والعقائد”[30].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضا: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لايحبه إلا لله. ومن يكره أن يعود في الكفر – بعد إذ أنقذه الله منه – كما يكره أن يلقى في النار”.[31]

لا شك أن طائفة أهل الرقائق الذين يحيون التجربة الروحية دون انقطاع، وذلك من خلال مجاهدة النفس وتزكيتها، يغدون ويروحون متفيئين ظلال مقامات روحية سامية من زهد وورع، وأنس، ومحبة، وخوف، ورجاء، وصبر، وشكر، وتوكل، وحياء، وتواضع، وذكر، وتفكر، وتفويض، وسكينة، وطمأنينة… إن هذه المعاني الشريفة المتأصلة في الكتاب والسنة، قد باشرت قلوبهم وذاقوا طعمها الإيماني، وسرى الذوق في كيانهم، وهو ما يعبر عنه أحيانا باللذة الروحية العارمة. والذوق الإيماني من الموضوعات التى يستعصى وصفها على العقل، لأن جذورها عميقة في أرض الوجدان، أما كلام أهل الرقائق عنه فإنه لا يعدو أن يكون مجرد إشارات وتلويحات.

ومثل الذوق الإيماني في الاستعصاء على العقل، كمثل الانفعال. يقول الأديب الناقد إيليا الحاوي متحدثا عن طبيعة الانفعال الجمالي : ” إن الانفعال هو في أصل كل تجربة جمالية، ونفهم بالانفعال تلك الحركة الشعورية التي تطغى على النفس وتسيطر على قواها، فترتهنها لحتميتها وتولد فيها يقينا خاصا بها. وبكلمة موجزة الانفعال هو ما تعانيه النفس معاناة ولا قبل لها بفهمه فهما، أو أن ما تفهمه منه ليس سوى اشلائه، والجزء الساقط الذي لا ينطوي على أي شيء من حقيقته. فالانفعال هو حالة كلية قائمة بذاتها، تكون في النفس حالة فيها، هي وإياها يقين واحد، فإذا ما اعتكف عليها العقل ليفهمها تجمدت وتبدلت وعادت حالة أخرى، وما يقع بين يدي العقل منها هو الجزء المادي أو الجزء الذي يلائم طبيعة العقل، بل إن ما يتلمسه العقل لا يلمس شيئا من حقيقة تلك المعاناة. مثال ذلك أن يحاول العقل فهم التجربة التي تستولى على النفس في حالة من أحوال الثكل. إن تلك الحالة هي شديدة التعقيد والتداخل في النفس. بل إنه لا حد لها، وكل ما يقبض عليه العقل منها هو القول أن تلك المرأة الثاكل هي في حالة حزن شديد، أو إنها في حالة يأس وافتقاد، وإنها فاقدة العزاء. وذلك كله لا يعدو الكلام الأخرس الأصم، كأن المرء لم يقل به شيئا عن حقيقة ما تعانيه تلك المرأة”[32].

والخلاصة أن الذوق الإيماني أمر باطني متصل بعالم روحاني لا يعلم كنهه إلا الله سبحانه وتعالى. وما يفيض منه على الألسنة ويترجم في العبارات، بعد اقحام آلة العقل ووسيلة اللغة، يكون قد فقد الجزء الأعظم من حقيقته وحرارته، ومع ذلك فإن ما تبقى منه كثيرا ما تطغى روحانيته ورقته وعذوبته على الكلمات التى تحمله، فيكون آية في الجمال والبهاء.

إن المجال لا يتسع لمزيد من الحديث عن مظاهر عنصر الوجدان في لغة الرقائق، تلك المظاهر التى تتعدد بتعدد المقامات الروحية المشار إليها آنفا. ولقد حاولت من خلال تحليلي للمظاهر الأربعة المختارة، كيف أن الوجدان يشكل عنصرا جوهريا في لغة الرقائق، وكيف أن هذه اللغة تنفعل به انفعالا قويا، إذ تسري روحه في كيانها، فتغدو أجمل مما كانت عليه، بل تحيى به بعد موت.

وفي هذا الصدد يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي رحمه الله : ” وبعد، فأنت تعرف أن أفصح الكلام وأبلغه، وأسراه وأجمعه لحر اللفظ ونادر المعنى، وأخلقه أن يكون منه الأسلوب الذي يحسم مادة الطبع في معارضته، هو ذلك الذي تريده كلاما فتراه نفسا حية، كأنها تلقي عليك ما تقرؤه ممزوجا بنبرات مختلفة واصوات تدخل على نفسك – إن كنت بصيرا بالصناعة متقدما فيها- كل مدخل، ولا تدع فيها إحساسا إلا أثارته، ولا إعجابا إلا استخرجته، فلا يعدو الكلام أن يكون وجها من الخطاب بين نفسك ونفس كاتبه، وتقرؤه وكأنك تسمعه، ثم لا يلج إلى فؤادك حتى تصير كأنك أنت المتكلم به، وكأنه معنى في نفسك ما يبرح مختلجا ولا ينفك ماثلا من قديم؛ مع أنك لم تعرفه إلا ساعتك، ولم تجهد فيه، ولا اعتملت له؛ وذلك بما جوده صاحبه، وبما نفث فيه من روحه”[33].

وهكذا صاغت لنا لغة الرقائق تحت تأثير الوجدان المتقد، تلك الصور الإيمانية المتعالية في مثاليتها، الصاعدة إلى الأفق الأعلى الذي تلتمع فيه البروق، وتفنى على حوافيه ماديات البشرية وأهواؤها.

ولا يفوتني في هذه المناسبة أن أختم مداخلتي هذه بذكر بعض الواردات والخواطر الإيمانية المتعلقة بأدب الرقائق، تلك التى دونت بعضها في مطلع الثمانينيات بمدينة باريس زمن الدراسة والتحصيل، ونشرتها في كتاب بعنوان : “واردات وخواطر إيمانية”[34]. كما سطرت مجموعة أخرى، على فترات متباعدة، في عقدنا هذا، وهي في طريقها إلى النشر. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الواردات والخواطر كانت وما تزال تحضرني بطريقة فجائية عقب لحظة تأملية في عظمة الله وجلاله، أو أثناء تدبر في آية من آيات القرآن الكريم، أو عند استحضار وجداني للوعد والوعيد، أو خلال سفر روحي في عوالم النفس الإنسانية.

  1. 1. نماذج من المجموعة الأولى :

لا تألف غيره لأنك مفارقه، ولا تتعلق بسواه لأنه فاني، وروحك خالدة. واعلم أنك في سفر منه إليه وقد أودعك الأمانة، فضيعتها في الطريق لتزودك زاد المقيم، ونسيت أنك على سفر، فأمنت سقر، فلفحك لهيبه. فر إليه وتذكر ألفتك الأصلية واسأل الله أن يردها إليك وفي الحديث:  (اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري…وتلهمني بها رشدي وترد بها ألفتي ).

لن تتجلى لك حقيقة ذاتك ما لم تراع وقتك، فلا تخضع لزمان لكونه فانيا، ولكون روحك لن تتغير وليست فانية. وكنزك هو الحال الذي أنت فيه، وأمسك لن يعود، وغدك ليس بحاصل، وحياتك هذه حلم، والتي بعد الموت هي الحياة؛ (يا ليتني قدمت لحياتي ). روحك فهمت الخطاب خارج حجاب الزمن؛ (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم  قالوا بلى شهدنا)، واستعصى عليها استحضاره تحت وطأته. احفظ وقتك وتحقق بالله فيه، تسطع عليك شموس المعرفة، وتحقق مراد الله من خلقك، وتفز بفرصة العمر قبل فواتها. فهو الموصل إن تحققت به، والحجاب إن غفلت عنه وساعتك التي أنت فيها

تدارك أمرك إذا فاتك حظ وبدا أساك، فإن قدمك ليست ثابتة، والحق يثبت وهو الحظ فاقرع بابه، كل الحظوظ مسطرة في اللوح المحفوظ، وانتقالك بينها عين القدرة، ويمحو الله ما يشاء ويثبت، خذ كتابك بيمينك، واثبت على الصراط المستقيم، وصابر وراقب وحاسب، واجمع آمالك فيه، ملكت الحظوظ أو فاتتك، ثم انظر واختبر فإن حزنت نفسك لفوات حظ أو انبسطت لحصول غيره حتى أساءت الأدب، فما صحت طمأنينتها وإن استوى عندها الحصول والفوات، فقد تحقق لها المراد.

الكون محيط بك ومسخر لك لكونك خليفة ووارثا آيات الكون تحيلك على المكون كالعبد يطلب سيده، وقضت الربوببة بالعبودية وسجد النجم والشجر (وكل في فلك يسبحون) وفلك السجود فلك كل موجود لا وجود له بذاته فإن أبيت السجود، أصبحت لا فلك لك، وتهت لكونك حدت عن أصلك. وإن لم تنقض الميثاق، دمت سابحا في فلكك، ولا تخش بعد ذلك شيئا، فهو ممسك بك لأنه (يمسك السماوات والأرض أن تزولا).

روحك ثابتة وخالدة لكونها من النفخة، وساعة نفسك متغيرة، والمتعلقة بروحك ثابتة، إن نظرت بنفسك شاهدت التغير وأسرت، وإن نظرت بروحك أبصرت الثبات وأعرضت عن انعكاسات اللحظة وظلها، والمتغير ظل الثابت، والأول فاني والثاني أبدي وحياتك الدنيوية ظل لتغيرها وعجلتها، ومد الظل وقبضه أسرع من ساعة، وأمر ربك في وجوده كلمح بالبصر.

أنت الكتاب والقارئ والمقروء، والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة، والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة، وبك تخبر عنك، وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك، قبل أن ينشر وتنطق جلودك، فيخرس لسانك، ويحد بصرك، ولات حين مناص.

خسر بيعك، وبارت تجارتك، واستحالت سرابا، وأقفرت جنتك، ولما تنبت شيئا، وما زلت تلهث حتى بلغ منك الجهد مبلغه، وتقطعت أوصالك، ونسيت أن “اليوم الرهان وغدا السباق والجنة الغاية”. وأن “من في الدنيا ضيف وما في يده عارية والضيف مرتحل والعارية مؤداة”. فاتخذ تقوى الله تجارة، تأتك الأرباح وتحمد البضاعة وحينئذ تلين الجوارح وتخشع، وتستخشن الجنوب ليونة المضجع، ويسجد القلب، ويهجم اليقين، فتندحر جيوش النفس الأمارة، وتغدو الآخرة أقرب إليك من حبل الوريد.

الأمر أعظم مما تتصور، والخطب أجل مما قد يخطر على بالك، والفضاء ضاق بما رحب، وعجلة الزمان أوشكت على التوقف بعد أن أباد الأمم والقرون تعاقب الحركة والسكون، وليل نهارك قد جن عليك ولما تعاين نجومه.ن أقم قيامتك قبل قيامها، فهول القيامة أشد ما ينتظر، والساعة أدهى وأمر.

لا قلب لك، لا سمع لك، لابصر لك، فأنى لك بالخشوع، وأنى لك بالإنابة، بل كيف يتجافى جنبك عن مضجعك. هيهات هيهات أتروم الظفر بحلاوة الإيمان، ولما تنفطم نفسك عن شهواتك، كيف بك وقد كشف عنك غطاؤك وأنت على هذه الحال لا عذر لك يا ابن آدم فيداك أوكتا وفوك نفخ.

  1. 2. نماذج من المجموعة الثانية :

طرقت الباب فقيل لي: ارجع من حيث أتيت، فافترشت التراب واستلقيت، ثم توسدت بخدي العتبة وبكيت، فنادتني هواتف الروح؛ تجرد من تاج الهوى وطيلسان النفس الأمارة، وطواغيت الشرك، والبس رداء الذل والافتقار، وقميص الخوف والاضطرار، وقتئذ يفتح الباب على مصراعيه، ويتحقق السفر منه إليه، ويحلو الذكر والمناجاة، ويحصل مالا تترجمه العبارات.

تقرب إلى الواحد الأحد، وعانق ساحل الأبد، ولا تقف مع اليوم فقد أخنى عليه الذي أخنى على لبد، ولكن انظر إلى غد. فمثلك لا يرضى بالدنيا مقاما، ولا يكن لنعيمها حبا ولا غراما. فأين الفاني من الباقي، وأين الثرى من الثريا، وأين النعيم بلا نعيم من نعيم لا يفنى، وأين الملك بلا ملك من ملك لا يبلى؛ حيث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وتطيب اللقيا ؟!!

ألهمك غزل الدنيا والآخرة وأبيت إلا النقض فما شكرت، ودلك على الهداية فأبصرت ثم أعرضت فما اهتديت، أفكلما غزلت نقضت ؟ بئس ما فعلت، ألهمك التقوى فما زكيت، فضللت الطريق وهمت على وجهك بما د سيت، عاهدت الله في الزمن الأول وقبل الأزمان فما وفيت، وشهدت له بالربوبية فما حفظت وما التزمت؛  “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”. فيا ليت شعري هل إلى مرد من سبيل، ومن دواء للقلب العليل، ومن أمل في نعيم الجنة وظلها الظليل، رحماك رحماك عبد لاذ بحماك.

أما تدري أن صدى ( ألست بربكم ) ما زال يتردد في كيانك، وأن أثر(بلى شهدنا) لن ينمحي بل حجب عن سمعك الباطني تحت وطأة شهواتك، بعد أن زين الشيطان لك أعمالك وجعلت كلام ربك دبر أذنيك، واتخذت إلهك هواك. حذار أن تحشر مع طائفة ( إنا كنا عن هذا غافلين ) أو طائفة ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله و إن كنت لمن الساخرين ) وقد أعذر من أنذر.

في البدء كانت الكلمة “كن”، فكانت الأكوان وما شاء الله أن يكون؛ “إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون”. استمع إلى صدى “الكلمة” في الأرض والسماء، بل في نفسك وبين جناحيك “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”.تدبر”كن” وسريانها في الكون، ولا تحجب عن المكون، وعلق الفعل بالفاعل والكلمة بصاحبها. قل كلمتك ولتكن طيبة؛ “ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة”، واستمد قوتك من روح الكلمة الأولى، واستعن بالقرآن حيث جلال الكلمة والمتكلم، ونور المعنى في جمال المبنى. وإذا لم تنهل من مشكاة كلامه فقد حيل بينك وبينه، وعلا الوقر أذنيك، وانتفى صدى الكلمة في جوانب نفسك؛ “لهم آذان لا يسمعون بها”. قل كلمتك وكن صادقا تجد أثرها في نفسك وفيمن حولك. ومن صدقت لهجته ظهرت حجته، وأفضل القول ما اقترن بالفعل.  قل كلمتك وكن مريدا فالكلمة من الكلمة، والإرادة من الإرادة، ولا حول ولا قوة لك إلا به سبحانه ما أعظمه.

أزفت الآزفة، وصخت الصاخة، وأدبرت الدنيا وأقبلت الآخرة، وأنت في شأن آخر كأنك غير مطلوب ولا مخاطب؛ “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون”. كلا لتقفن بين يدي العزيز ويا لهول المطلع، ولتفترسنك الندامة ويا لسوء المصرع، ليت أمي لم تلدني أين المفزع ؟

خير ما يلقى في القلب اليقين، وأجمل ما يرى وجه رب العالمين، وألذ ما يطرب السمع كلام الحبيب وترتيل الذكر بمزمار داود وشذو نساء الجنة والحور العين. وأحسن ما تقر به العين مقام أمين في أعلى عليين. وكل ما لم يفض بك إلى هذا فوهم وغرور وتخمين، أو هشيم تذروه الرياح فوق الربى وعلى البطاح. ولله ذر لبيد:

ألا كل شئ ماخلا الله باطل   وكل نعيم لا محالة زائل.

نظرت إلى الجبل الخاشع فاهتز كياني، وخشعت جوارحي، فإذا بقلبي يستمع إلى تسبيح صخوره و هوامه وطيوره وأعشابه. فأحسست بوطأة التسبيح وصولة الخشوع، وحملني شعوري إلى عالم يجل عن الوصف و النعت، فنادتني الأشواق: اللحاق اللحاق، ارتحل المحبون وحان وقت الفراق.

يا عبد الله لا بد لك من ذكر ربك، في يومك وغدك، ودنياك وآخرتك. يا عبد الله إذا ذكرته، ستذكره في جنتك، تحت ظلال أشجارك، وعلى ضفاف أنهارك، وبين حور عينك ونسائك. يا عبد الله شتان بين ذكرك له مع أنفاسك، وذكرك له مع زفراتك وآهاتك. وشتان بين ذكرك؛ يا حبيبي اشتقت لرؤيتك فإذا بمركب بجانبك يحملك إلى مولاك، وبين ذكرك؛ “يا مالك ليقض علينا ربك”. فالبدار البدار، والتوبة التوبة، وما أراك تطيق رؤية مالك.

اقذف بحق الروح على باطل النفس فإذا هو زاهق، وتأس بالمصطفى وعبد طريقك ونقه من أثر كل شيطان مارق، وتبتل إلى الحق تبتيلا ولا تحفل بالكرامات واللوامع والبوار ق، فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وتحجب بالشهوات عن المناجاة وبالخلق عن الخالق. “وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون”، وانبذ وساوسهم وفلسفتهم وعض بالنواجذ على كلام الصادق، واسلك سبيل أهل الصلاح والزهد والرقائق.

أما تدري أن صدى ( ألست بربكم ) ما زال يتردد في كيانك، وأن أثر(بلى شهدنا) لن ينمحي بل حجب عن سمعك الباطني تحت وطأة شهواتك، بعد أن زين الشيطان لك أعمالك وجعلت كلام ربك دبر أذنيك، واتخذت إلهك هواك. حذار أن تحشر مع طائفة ( إنا كنا عن هذا غافلين ) أو طائفة ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله و إن كنت لمن الساخرين ) وقد أعذر من أنذر.

إذا تذكرت الواقعة وبرق البصر وخسوف القمر ولم يصبك خدر ولا وجدت أثرا في باطنك، فما حصل لك اليقين بالمشهد الرهيب. أقم قيامتك قبل يومها، واستحضر مشاهدها قبل أن تباغثك، واجمع غدك بيومك وما ثم غير يومك. وإذا صح منك التقرب أعطيت سر العبادة، ونلت حلاوة المناجاة، وغشيتك السكينة، وكتبت في ديوان المقربين، ومن ذاق لذة الوهب لا يفرح بالكسب.

د.عبد الله الشارف

مداخلة  في ندوة نظمتها وحدة  اللسانيات وتحليل النص”"

جامعة عبد الملك السعدي كليةالآداب تطوان المغرب

2008 ابريل  30-29





[1] ابن منظور : لسان العرب، ج 5، ص : 286 وما بعدها. ط. 3، دار إحياء التراث العربي 1419/1999.

[2] سيد قطب : “في ظلال القرآن”، ج 6، ص : 3356/ مطابع الشروق بيروت، ط 25، 1417/1996.

[3] أحمد الهاشمي : “جوار الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب”، ص : 353، دار الكتب العلمية بيروت، 1403/1983.

[4] أحمد الهاشمي، المرجع السابق، ص: 380.

[5] جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي، “صفة الصفوة”، ج 1، ص : 136، دار الكتب العلمية بيروت، 1419 هـ/1999 م.

[6] المرجع السابق، المجلد 1، ص : 148.

[7] المرجع نفسه، المجلد 1، ص : 215.

[8] “        “، المجلد 1، ص : 319.

[9] “        “، المجلد 2، ص : 34.

[10] “      “، المجلد 2، ص : 87.

[11] “      “، ص : 93.

[12] نفسه المرجع، 94-95.

[13] المعجم الوسيط، ج 2، ص : 1055.

[14] الدكتور بشير معمرية : “الذكاء الوجداني كمفهوم جديد في علم النفس”، مجلة عالم التربية، المغرب، ص : 53، العدد 16، 2005.

[15] د. أحمد أبو حاقة : “البلاغة والتحليل الأدبي”، ص : 249-295، دار العلم للملايين بيروت، 1988.

[16] ابن قيم الجوزية : “الفوائد”، ص : 60، المكتبة العصرية صيدأ بيروت، 1422/2002.

[17] المرجع نفسه، ص : 61-62.

[18] المرجع السابق، ص : 62.

[19]- ابن القيم الجوزية : “مدارج السالكين”، ج 1،ص : 564-565، دار الجيل بيورت، د.ت.

[20]-االحارث المحاسبي : “الرعاية لحقوق الله”، ص 61 دار المعارف.

[21] – محمد الخضري : “إتمام الوفا في سيرة الخلفاء”، ص64 دار الإيمان بيروت.

[22] ابن قيم الجوزية : “مدارج السالكين”، ص : 570، ج 1، دار الجيل بيروت، د.ت.

[23] أبو حيان التوحيدي؛  الامتاع والمؤانسة ، ج 1  ص35

[24] لم أعثر على اسمه

[25] سزرة فاطر  آية 15

[26] مدارج السالكين، المجلد 3، ص : 9-10.

[27] حديث صحيح رواه مسلم.

[28] الإمام عبد الجليل الأندلسي القصري : “شعب الإيمان”، ص : 452، دار الكتب العلمية بيروت، 1416/1995.

[29] رواه مسلم

[30] محمد بن قيم الجوزية؛ مدارج السالكي، ج3ص104-105

[31] رواه البخاري ومسلم

[32] إيليا الحاوي : “في النقد والأدب”، ص : 10، ج 2، دار الكتاب اللبناني بيروت، 1986.

[33] مصطفى صادق الرافعي، “إعجاز القرآن والبلاغة النبوية”، ص :  204، دار الكتاب العربي بيروت، سنة 1410 هـ/1990 م.

[34] د. عبد الله الشارف: “واردات وخواطر إيمانية”، مطبعة طوب بريس الرباط 2002.

اترك تعليقك