الاستغراب في الكتاب المدرسي المغربي

د.عبد الله الشارف

- مادة اللغة الفرنسية: استغراب على مستوى الأخلاق والعادات
1-1- الفساد الخلقي والاجتماعي
في الصفحة الأولى من الكتاب المدرسي (السنة التاسعة من التعليم الأساسي)
([1][1])، تواجهنا صورة بالألوان لشاب في العشرينيات من عمره يتحدث إلى فتاة في مثل سنه يقول لها: «اسمي إيريك.. إن كريكوري طلب مني أن أقدم عندك في وقت الحاجة».
في الصفحة الموالية، نجد صورة أخرى بالألوان، حيث تقدم فتاة نفسها لشاب قائلة: «اسمي سيسل فابغ، وأختي اسمها ايسابيل، لا شك أنك تعرفها… وهي التي دعتني لحضور هذه السهرة…»!!
ما الذي دعا المؤلفين لوضع هاتين الصورتين اللاخلاقيتين في مستهل الكتاب. صحيح أنهما يتعلقان بالدرس الأول الذي يحمل عنوان “أقدم نفسي، أقدم غيري”.
لكن هل انعدمت كل الوسائل التقنية لشرح هذا الدرس، واضطررنا للجوء إلى هذه الوسيلة الملوثة. لا شك أن المشاهد للصورتين سيستنتج ما تتضمنه من معاني الخلوة والخلاعة، تلك المعاني التي سيكون لها الأثر السيئ في نفسية وسلوك التلميذ الناشئ.
في الصفحة 119، نشاهد أربع صور ملونة، إحداهن تضم امرأة وابنتها وهما يتحدثان، تقول الأم: لا أريد أن تظلي كل مساء بجانبي … ألم يقترح نيكولا عليك العشاء معه؟ فتجيب البنت: “نعم ولكن أبيت” أية فائدة يجنيها التلميذ والتلميذة من هذا الحوار اللاخلاقي؟.
إن الأمهات في الغرب لا يجدن غضاضة في دعوة بناتهن إلى معاشرة الشباب والاختلاء بهم، وبذبك أصبحت الفاحشة مشاعة بينهم وكثر الزنا، بل وباتت البنت العفيفة أو المرأة الطاهرة حالة شاذة في الديار الأوربية. إذا كان هذا حال الأسرة الغربية، فهل الحوار السابق بين الأم وابنتها دعوة إلى اقتفاء أثر تلك الأسر؟
وفي الصفحة 299 نشاهد صورة تضم رجلا وامرأة ويجري بينهما الحوار التالي: قالت المرأة «هذا هو المستقبل الذي تقترحه علي؟» فأجابها الرجل: «كنت أظن أن الأمومة ستسرك، ولكن لن نعود مرة أخرى للحديث في هذا الموضوع».
يفهم من هذا الحوار أن الرجل كان يأمل من زوجته، أو بالأحرى خليلته أن تصبح أما؛ أي أن تنجب أبناء. لكنها رفضت وسخرت من أمنيته، إنها تريد أن تحيى حرة طليقة ولا تريد أن تصبح أما فتشغل بتربية الأبناء. ولا شك أنها تعتبر هذه الوظيفة نوعا من العبودية.
ألا يكون لموقف هذه الخليلة، من الأمومة تأثير سلبي في تلميذاتنا البريئات اللواتي ما زلن في السنة التاسعة من التعليم الأساسي؟ ألسنا ننقل إلى بناتنا بواسطة هذا الحوار، ذلك التصور اللانساني للحياة الزوجية السائد في دول الغرب.
“صباح الخير؛
اسمي ليلى. أدرس في السنة الأولى من التعليم الثانوي  شعبة الآداب تعجبني، مثلك السينما والقراءة والموسيقى العصرية.
قامتي طويلة، وزني 50 كلغ ألبس سروالا متجانسا مع معطف أحمر… أتمنى أن تكون هذه المراسلة بداية صداقة طويلة.
ليلى:
([2][2])؟!!!
هذه الرسالة نسجها مؤلفو الكتاب المدرسي وأدرجوها في محور «وصف الشخصية» أحد محاور الكتاب المدرسي للسنة الأولى من التعليم الثانوي.
ألا يستحي هؤلاء المؤلفون (المربون) من هذا العمل الشنيع؟ ما هذه الرذيلة التي يدعون إليها أيأمن أحدهم على ابنته الغواية والتأثر بهذه الرسالة والاختلاء بالذكور؟ هل هذا درس تربوي أو درس إفسادي؟
“ينبغي للمرأة … أن تفتن وتحير وتسحر . وبما أنها تشبه الوثن الذي يعبد، فحري بها أن تستعمل المساحيق ومستحضرات التجميل كي تعشق، … فتستولي على القلوب وتأسر العقول …
([3][3])؟!!!
هذا النص للشاعر الفرنسي الخليع والماجن “شارل بودلير”
([4][4])، دعوة أخرى من “المربين” إلى بناتنا البريئات لدفعهن إلى ولوج عالم التبرج والغواية،  إن مضمون هذا النص محاولة ماكرة لإقناع الفتاة الطالبة بأن قيمتها وهويتها وشخصيتها، كل ذلك يكمن في مظهرها الخارجي، وما يمكن أن تنافس به أخواتها مما تتميز به من جمال أو تمتلكه من وسائل الزينة والفتنة.
إن شارل بود لير يطلب من المرأة أن تتبرج و تبالغ في التزين حتى يمكنها «أن تستولي على القلوب وتؤثر في العقول» (كما في النص).
ما هذه الوظيفة الدنيئة التي يسندها الشاعر الماجن إلى المرأة؟
وما هي المعاني والأفكار «التربوية» و«الأخلاقية» التي يحتوي عليها هذا النص «النص التربوي»، والتي أخذت بمجامع لب أصحابها المربين، وأوحت إليهم بإقحامه في الكتاب المدرسي؟ هل هناك أقبح وأشنع من أن يدعو إلى الرذيلة من يدعي القيام بمهمة التربية والحث على الفضيلة؟
وتعالى معي أيها القارئ إلى الصفحة 208 من نفس الكتاب، توجد ثماني صور ملونة حيث نشاهد تلك الفتاة الطالبة بالسنة الثالثة الثانوي والتي بعد ما يئست من النجاح من النجاح في البكالوريا قررت ولوج عالم الغناء.
في الصورة الأولى توجد الفتاة الطالبة بريجيت عند السياج الحديدي لمدخل الثانوية، كما تحتوي الصورة على الكلمات الآتية: «إلى اليوم الذي تواعد معها شخص يدعى جان مارك عند شباك الثانوية» في الصورة الثانية بريجيت تسلم على جان مارك ويتعارفان، في الصورة الثالثة قال لها جان مارك: «هل سبق لك أن غنيت مع مجموعة»؟ فأجابت: «لا، لكن قيل لي بأنني أحسن الغناء» في الصورة الثالثة نشاهد بريجيت عند خروجها من الثانوية وهي تقول: «لن انجح أبدا في امتحان الباكالوريا». ثم في صورة التي تليها نجدها في غرفتها تتصفح جريدة  وتقرا زاوية «الإعلانات الصغيرة» وتقول لا بد أن أعثر على عمل في هذا الصيف. وفجأة تلألأ وجهها فرحا.
وفي الصورة الخامسة بعدما وقع بصرها على الإعلان التالي: «فرقة من الموسيقيين الشباب يبحثون عن مغنيه..» فهمست إلى نفسها «لم لا أكون أنا؟» وهكذا نجدها في الصورة السادسة أمام صندوق بريدي تلقي فيه برسالة تبعثها إلى الفرقة الموسيقية المذكورة.
هذه القصة تعبر عن جانب من حياة عدد كبير من طالبات المجتمعات الغربية، وتصور لنا مدى التحرر الأخلاقي الذي تمارسه الأنثى هناك فليس، لأحد الحق في أنت يراقب سلوكها وأعمالها، أو يمنعها من تحقيق رغبتها وإطفاء نار شهوتها.
ما موقع هذه القصة أو هذا الدرس «التربوي الأخلاقي» من الكتاب المدرسي؟ وما هي الفائدة المرجوة منه؟ في الحقيقة مهما تكن أهداف مؤلفي الكتاب أو المسؤولين التربويين أو المشرفين على البرامج، فإن هذا الدرس يعتبر تحريضا وتشجيعا للفتاة الطالبة المغربية على تعاطي الغناء، والاستهتار بالقيم الاجتماعية التي تحافظ على كرامة المرأة وحرمتها، إنه درس يراد منه تأجيج الصراع بين الأبناء والآباء، وإحداث الشروخ الخطيرة في جسم الأسرة.
1-2- الحب والغزل
في الصفحة 169 من نفس الكتاب المدرسي، نجد نصا طويلا للكاتب والروائي الفرنسي كي دوماباسان، يتحدث فيه عن صديق له يعاني آلام فراق وموت محبوبته:”… لقد كان أحد أصدقاء أيام الشباب، افتقدته منذ خمس سنوات… بعد أن أغرم بفتاة وأحبها حبا جنونيا، تزوجها في جو من السرور والوجد…غير أنه لم يمض على زواجهما سنة، حتى فوجئ بموتها على إثر مرض أصاب قلبها…إنها بلا شك قتيلة الحب نفسه”.
ثم نعثر بعد ذلك على نص غزلي من غزليات الشاعر الماجن شارل بودلير جاء فيه:
” دعيني أتنسم طويلا رائحة شعرك، وأغمس وجهي فيه مثل إنسان ظمآن وسط مياه عين… آه لو كنت تعلمين هذا الذي أرى، والذي أحس به وأسمعه من خلال شعرك”…
شعرك يخفي حلما مليئا بالأشرعة والصواري والبحار الواسعة، تلك التي تحملني رياحها إلى الأقاليم الساحرة…
دعيني  أعض طويلا ضفائرك الثقيلة السوداء…
([5][5])؟؟؟
تصور معي أيها القارئ وقع كلام الأستاذ وهو يشرح النصين في قلوب الطلبة والطالبات، ويأخذ بأيديهم إلى عالم الحب والغزل، ويطلعهم على مفاتنه وجماله، أين هو الحياء؟ أين هي الفضيلة؟ أين هي رسالة المربي والمعلم؟ إن هذين النصين يضفيان على موضوع الحب الحيواني قداسة ما بعدها قداسة، ويجعلان منه القطب الذي تدور حوله رحى الحياة الإنسانية، ومن هنا فإنهما يدعوان الطالب والطالبة إلى سلوك الطريق المؤدي لممارسة الرذائل.
ومما جاء في الأسئلة المتعلقة بتحليل النص الثاني:
” بين كيف أن شعر المرأة يحمس ويثير الشعور والخيال، ثم ما هو العامل الذي يمنحه هذه القوة؟”
1-3-السينما والغناء
إن المطلع على الكتاب المدرسي لمادة اللغة الفرنسية، يجده زاخرا بصور النجوم السينمائية والغنائية، وكذا بعض النصوص والمواضيع التي تتناول مجال السينما والغناء، ولقد أبى أصحابنا “المربون” ومؤلفو هذا الصنف من الكتاب المدرسي إلا أن يثروه ويغنوا مادته بعرض نجوم السينما والغناء وذلك إتماما للفائدة؟ وتحقيقا لكل شروط الاستغراب.
وهكذا في كتاب السنة التاسعة من التعليم الأساسي
([6][6])، نجد في الصفحة رقم 8، صورة لممثلين بلجيكيين وهما: فيليب تورك وبوب دوكروط مع ترجمة لحياتهما وأعمالهما السينمائية.
وفي الصفحة رقم 45 تطالعنا صورة بالألوان لكل من السينمائي الفرنسي آلان دولون، والمغني الأمريكي ميكائيل جاكسون.
وفي الصفحة التي تليها نجد وجوها أخرى ترمز إلى الغناء والسينما، عبد الوهاب الدكالي، محمد عبد الوهاب، ولويس دوفونيس… ونقرأ في الصفحة 45 كلاما عن النجوم الخمسة جاء فيه:” هذه صور تمثل شخصيات معروفة لديكم بكل تأكيد، حاولوا أن تجمعوا-خارج القسم- ما أمكنكم من المعلومات المتعلقة بأولئك الشخصيات وبطريقة يمكنكم معها الإجابة عن أسئلة زملائكم”.
وفي الصفحة 245 يوجد تمرين إنشائي صغير نلمس من خلاله كيف يحاول” المربون” غرس محبة النجوم السينمائية وغيرها في قلوب الناشئة.
” اكتب بدورك رسالة لأحد تعبر فيها عن إعجابك به.
وهكذا يمكنك أن تكتب إلى:
- نجم سينمائي
- نجم رياضي
- نجم في الغناء
- صديق أو صديقة
- أمك أو أبوك
- أستاذك.”
وفي كتاب السنة الأولى من التعليم الثانوي، نجد المغني ميكائيل جاكسون من جديد في أربع صور ملونة (ص192) وفي الصفحة 270 يوجد كلام عن فيلم “ليلة القدر” للمخرج الفرنسي نيكولا كلوتز ذلك الفيلم الذي يصور أحداث “الرواية” الساقطة التي كتبها الطاهر بن جلون.
وفي كتاب السنة الثانية يمكن قراءة «وجه السينما المغربية» في الصفحة 17 حيث تم التركيز حول أول ممثلة مغربية «ايطو بنت لحسن» من مواليد تافيلالت في بداية العشرينيات، وقد مثلت أدوارا سينمائية تحت إشراف كثير من المخرجين مثل أورسون ويلز وبارتييه وزوبادا وغيرهم. وارتبطت بعلاقة الصداقة مع اورسون ويلز أثناء تصوير فيلم «الوردة السوداء» بتافيلالت سنة 1949.
وفي الصفحة 26 نشاهد صورا لأربعة نجوم غربية، ثم في الصفحة 110 توجد صورتان للمغني الراقص طرافولتا … وأخيرا نقرا في الصفحة 172 موضوعا في مدح السينما.
لعل الصور والنصوص المبثوثة في كتب مادة الفرنسية والتي تمت الإشارة إليها، تكون كافية لإعطائنا فكرة واضحة عن مدى تجذر الاستغراب الأخلاقي في عقلية «المربين» الذين سهروا على تهيئ مثل هذه الكتب المدرسية.
إن كتاب مادة الفرنسية ابتداء من مستوى التاسعة اعدادي يعتبر دعوة صريحة تقمص أخلاق وعادات الغربيين، التي لا يشك عاقل مؤمن بمبادئ الأخلاق السامية في أنها أبعد ما تكون عن الأخلاق الإنسانية الطاهرة الشريفة.
ومن ثم فإن هذا الكتاب من جهة يتناقض جوهريا مع ذاته أو مع وظيفته الأصلية، تلك الوظيفة التي تكمن في معنى التربية باعتبار أن التربية هي محور كل كتاب مدرسي.
ومن جهة أخرى فإنه يضرب بعرض الحائط كل المقدسات الدينية والأخلاق والعادات الأصلية وينال من الشخصية الإسلامية المغربية – التي بالرغم مما علق بها من الشوائب – فإنها لا ولن ترضى أن يكون ميكائيل جاكسون أو آلان دولون أو بولدير ومن على شاكلتهم من الخنافيس والمجن، نماذج تحتدى أو «إعلاما» تقتدى.
وإذا علمنا ضعف الوازع الديني والحصانة الخلقية عند التلاميذ والطلبة، أمكننا تصور الآثار السلبية لتلك النصوص والصور على عقليتهم وسلوكهم، خصوصا وأن الصور الغربية – سواء انتمت إلى عالم الكائنات الحية والأشياء، أو عالم المعاني والأفكار المتضمنة في النصوص المعروضة – هي بمثابة البث والإرسال. في حين أن التلميذ يقف موقف المتلقي والمستهلك. مع مرور الزمن تتفاعل صور تلك الكائنات والأشياء والأفكار في نفسية التلميذ، وتترسخ في ذهنه عبر آلية التقمص فيرق الحجاب بين ذاته وبين الآخر؛ وينظر إلى صورته في مرآة الغربي فيستحيلها ويتلذذ بها فيطلب المزيد من البث والإرسال ويتهافت على كل ما يأتي ويصدر عن الغرب ويطلبه، لذلك يكون مستغربا أي طالبا للغرب وحضارة وقيما.
2- أسباب الاستغراب الأخلاقي في مادة اللغة الفرنسية
ويمكن الاقتصار على عاملين أساسيين ومباشرين في فهم ظاهرة الاستغراب الخلقي في الكتاب المدرسي لمادة اللغة الفرنسية؛ العامل الأول لغوي بحث، والعامل الثاني له علاقة بالتعليمات الرسمية المختصة بتعليم اللغة الفرنسية.
العامل اللغوي:
إن مما هو بديهي عند العلماء واللغويين منهم خاصة، أن اللغة والثقافة في التحام دائم ويشكلان وجهين لموضوع واحد، ذلك أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب وإنما هي أيضا ناقلة للثقافة التي ينتمي إليها. أو بعبارة أخرى فإن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار، وإنما هي ذات ارتباط وثيق بالأفكار التي تنقلها، وذات تأثير فيها وتأثر بها. كما أن اللغة تؤثر في الشخص الذي يتحدث بها ويمارسها تأثيرا لا حد له، يمتد إلى تفكيره وإرادته وعواطفه وتصوراته وإلى أعماق أعماقه، وإن جميع تصرفاته تصبح مشروطة بهذا التأثير ومتكيفة به.
وبما أن طابع الثقافة الفرنسية علماني ومادي، فإن الأخلاق والقيم الاجتماعية السائدة في فرنسا كانت من جنس تلك الثقافة، فالإباحية والانحلال الخلقي وغير ذلك تبدو عند الفرنسي أمورا عادية، بل وربما عبرت عن الحرية في «أسمى» معانيها. ولما كانت اللغة الفرنسية وعاء لثقافة منحطة أخلاقيا ولم يكن غريبا أن تكثر فيها الكلمات والألفاظ والأمثال والمعاني الساقطة وكفى بأدبها – شعرا ونثرا – دليلا على ذلك، ومن هنا فإن مؤلفي الكتاب المدرسي لمادة الفرنسية انساقوا مع تيار الثقافة الفرنسية واستعذبوا كثيرا من النصوص بالرغم من مضمونها الأخلاقي وأقحموها في ذلك الكتاب.
عامل التعليمات الرسمية
إن المطلع على التعليمات الرسمية المتعلقة بتعليم اللغة الفرنسية – انطلاقا من الثمانينات
([7][7]) - يجدها تنص على أن “الانفتاح” على ثقافة وحضارة الآخر (أي الغرب) يعتبر من أهم الغايات المستهدفة من تعلم التلميذ المغربي للغة الفرنسية. إن اللغة الفرنسية بالنسبة لهذا التلميذ وسيلة للحصول على ثقافة مغايرة. وبما أن نصوص هذه التعليمات لم تشر إلى استحضار المعيار الأخلاقي حين اختيار النصوص الأدبية والفكرية والتربوية المتعلقة بمادة اللغة الفرنسية، فإن الكتاب المدرسي المتعلق بهذه اللغة صدر طافحا بالنصوص اللأخلاقية واللاتربوية.
مما لاشك فيه أن الاهتمام باللغات الأجنبية وتعليمها في المدارس والمعاهد والمؤسسات التعليمية، بات أمرا ضروريا وحيويا في وقتنا المعاصر لأسباب اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية. كما أن تطور تقنيات التواصل بشكل قوي ومدهش زاد في تعميق العلاقة الثقافية بين شعوب الأرض، مما لزم عنه الزيادة في الإقبال على تعلم مختلف اللغات العالمية. بيد أن هذه الظاهرة لا تخلو من انعكاسات سلبية إذا لم يكن ثمة توازن اقتصادي وثقافي وسياسي بين الشعب المتعلم والشعب الذي يملك اللغة المطلوب تعلمها، أو أن أحدهما كان مستعمرا من قبل الآخر، وكلا العلتان – ويا للأسف – متواجدتان فيما يخص العلاقة بين الشعب المغربي والشعب الفرنسي، وليت تعلم أبنائنا اللغة الفرنسية كان من أجل امتلاك ناصية تلك اللغة في حد ذاتها لاستعمالها كأداة معرفية وثقافية، إذ لو كانت الغاية كذلك لهان الخطب، غير أنهم يعرفونا لكي «ينفتحوا» على الحضارة الغربية وخاصة منها الحضارة الفرنسية.
إن هذا الانفتاح الذي تنص عليه التعليمات الرسمية وكما يتصوره المسؤولون عن التربية والتعليم والثقافة عندنا، وكما يتخيله مؤلفو الكتب المدرسية لمادة الفرنسية، هو ما أسميه بالاستغراب، وكثيرا مما يحلو لبعض «مثقفينا» المستغربين أن يماثل بين انفتاحنا هذا، وانفتاح المسلمين الأوائل على ثقافتي الفرس والروم ونهلهم من علوم اليونان ومنطقهم، لكن شتان ما بينهما، وإذا أردنا أن نوجز الكلام في هذه النقطة، قلنا إن هذا انفتاح ذل وذاك انفتاح عز.
وعملا بمنطق الانفتاح اللامشروط، عكف أولئك المؤلفون على جمع نصوص تحتوي الطم والرم وصورا – تمت الإشارة إليها – غاية في السخافة واللاخلاقية.
ومن جهة أخرى فإن منطق الحضارة الغربية يلزم المنفتح عليها أن يلغي ذاته ومقوماته الثقافية والحضارية، وهذا ما يؤدي – كما هو الملاحظ – إلى ذوبان ثقافته وحضارته في حضارة الغرب، ولقد أثبتت بعض الدراسات الانتروبولوجية المتعلقة بالمجتمع الغربي
([8][8])أن الغربيين بسبب غرورهم وإعجابهم بأنفسهم، يعتقدون أن كل الحضارات الثقافات ينبغي أن تتلاشى وتقنى في حضارتهم، ومن ثم نلمس كيف يسعى هؤلاء بما أتوا من تقنيات ووسائل ايديولوجية للقضاء على كل حضارة أو ثقافة مناوئة لحضارتهم أو مغايرة لها، لأن وجود أي تصور مختلف عن الكون والوجود يعد في نظرهم تهديدا لكيانهم ووجودهم.
ولولا أن دعائم هذه الحضارة ومبادئها ليست ثابتة على الأقل فيما يتعلق بنظام الحياة الاجتماعية، وبالتالي شعور أصحاب هذه الحضارة بالخف لما صدر منهم هذا الموقف من الثقافات والحضارات الأخرى. وإذا استقرانا التاريخ، ألفينا أن تواجد الحضارات وتعايشها وتزامنها، كانت ظاهرة مألوفة، وأن الحروب بين الدول أو المجموعات الحضارية قديما كانت لأهداف اقتصادية أو سياسية أو غيرها، ولم تكن تهدف إلى القضاء على الروح الثقافية. بل إن التاريخ يحدثنا كثيرا عن تبني الغالب ثقافة المغلوب.
“بما أن الحضارة الغربية تسعى للقضاء على غيرها من الحضارات، فإنه يمكننا نعتها بكونها “لا حضارة” Décivilisation” إن الحضارة الغربية لا تقبل غيرها من الحضارات ولذا فهي تعمل جاهدة لتخريبها… إن الغرب عالم وحيد، يدعو إلى الإنسان الوحيد والأمة والوحيدة والحضارة الوحيدة، وكل ما يتعلق بالكثرة أو بالإنسانية بمعنى الجمع والكثرة يعتبر محظورا ومرفوضا
([9][9]).
3-
أثر الاستغراب في ظهور أزمة التعليم
يمر القطاع التربوي بأزمة بنيوية وعميقة. ومن المؤكد أن الاستغراب احد الأسباب الرئيسة في ظهور تلك الأزمة بات من الأمور المنطقية والجلية، وإذا كانت المجالات الأخرى؛ مجال الاقتصاد والاجتماع ومجال السياسة، لم تسلم من هيمنة عامل الاستغراب فكيف ينجو منه التعليم؟
وبما أن الاستغراب شمل المجتمع المغربي في كل مظاهره المادية والمعنوية، فإن أزمة التعليم لها علاقة بمختلف البنيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. ومن ثم فقد اخطأ من فسر أزمة التعليم بكونها أزمة أخلاقية قيمية فحسب، أو أنها تعكس فقط غياب العقلانية في التدبير والتسيير والتخطيط إلى غير ذلك من التفسيرات الجزئية.
ومن خلال الإطلاع عل%

التعليقات مقفلة