واردات وخواطر إيمانية بعد توبتي ومفارقتي للتصوف

واردات وخواطر إيمانية بعد توبتي ومفارقتي للتصوف

د. عبد الله الشارف

…وبعد هذا الكلام، قد يقول قائل : لولا تلك الحياة الصوفية التي كنت تحياها، ومحبتك للتصوف وأهله، واستلهامك لتراثهم، لما فتح الله عليك بهذه الواردات ولما سطرت منها شيئا.

أقول له : ليس التصوف شرطا هنا، والفتح من الله يعم المؤمنين، وأحيلك مثلا على كتاب ” المدهش ” لابني الجوزي رحمه الله، إنه كتاب ضخم يحتوي على مئات الواردات والخواطر الإيمانية، كتب بأسلوب جزل، سلس، أخاذ ومؤثر، علما بأن كاتبه لم يكن صوفيا، بل اشتهر بنقده للصوفية، ووضع كتابا في ذلك أسماه ” تلبيس إبليس ” ثم إني أضع بين يدي القراء مجموعة أخرى من الواردات والخواطر، كتبتها في مطلع العقد الأول من القرن الميلادي الحالي، أي بعد ثني عشرة سنة من حصول ثوبة ومفارقتي للتصوف:

لذة الذكر

لا تعبده على رسم التكليف، مجردا عن المحبة والتزليف. فغاية العبادة رؤيته، ولذة القلب ذكره, وما تلذذ أهل الجنة بأعظم من تلذذهم برؤيته وذكره إذ “يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس”. فأصل محبته في قلبك، واذكره على كل أحوالك، واعلم ألا طعم للجنة ألا بذكره ورؤيته، وأن حقيقة العبودية في تأمله جل جلاله وعكوف القلب عليه، وعند كشف الغطاء يفرح المؤمن باللقاء .

كمال عقلك في كمال ذكرك

كمال عقلك في كمال ذكرك؛ “إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم”، ونقصان عقلك من نقصان ذكرك؛ “لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء”، فثلث عقلك في الذكر قائما، والثلث الثاني في الذكر قاعدا والثلث الأخير في الذكر عل جنبك. فارتع في رياض الذكر تلهم أنفاسه و تمنح أسراره، ف “أهل الجنة يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس”، واحذر الغفلة كي لا تضيق أنفاسك و يختنق صدرك ولات حين مناص.

الجبل الخاشع

نظرت إلى الجبل الخاشع فاهتز كياني، وخشعت جوارحي، فإذا بقلبي يستمع إلى تسبيح صخوره و هوامه وطيوره وأعشابه. فأحسست بوطأة التسبيح وصولة الخشوع، وحملني شعوري إلى عالم يجل عن الوصف و النعت، فنادتني الأشواق: اللحاق اللحاق، ارتحل المحبون وحان وقت الفراق.

كن موصولا بالحق

إذا رمت التلذذ بشئ فلم تظفر بلذة، أو كان حظك ضعيفا، أو كطيف لم يلبث أن توارى، فاعلم أنك لم تكن موصولا بالحق وأن حبلك منقطع. واعلم أن لا تلذذ في الحقيقة إلا ما كان مع الذكر والقرب والحضور، وأن لذة الغفلة والبعد أماني وسراب وغرور. فاظفر بالأصل تنعم به وبالفرع، وإلا فلا أصل ولا فرع وإنما ضرب في حديد بارد.

إذا استغرق الذكر كيانك

إذا سكت لسان فمك عن الدنيا ونطق لسان قلبك بالآخرة، وتجوهرت نفسك بالذكر حتى استغرق كيانك، واستمعت إلى لغته العذبة بسمعك الباطني، وحصل لك الهيام بالتهليل والتسبيح، وصرت كانك مجذوب وما بك جذب، فاعلم أن الله قد فتح في قلبك نافدة تطل منها على جنة الذكر، وأن أهل الجنة، جعلني الله وإياك منهم، “يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس”، وأن ذكرك يوقد من شجرة الإيمان تكاد أغصانها تتلألأ نورا ولو سكت لسان قلبك ساعة.

لابد لك من ذكره

يا عبد الله لا بد لك من ذكر ربك، في يومك وغدك، ودنياك وآخرتك. يا عبد الله إذا ذكرته، ستذكره في جنتك، تحت ظلال أشجارك، وعلى ضفاف أنهارك، وبين حور عينك ونسائك. يا عبد الله شتان بين ذكرك له مع أنفاسك، وذكرك له مع زفراتك وآهاتك. وشتان بين ذكرك؛ يا حبيبي اشتقت لرؤيتك فإذا بمركب بجانبك يحملك إلى مولاك، وبين ذكرك؛ “يا مالك ليقض علينا ربك”. فالبدار البدار، والتوبة التوبة، وما أراك تطيق رؤية مالك.

اختبر نفسك

إذا اعترضت محابه سبيل محابك فانزعجت نفسك واستعجلت هواها، فاعلم أنها كاذبة إذ المحب للحبيب مطيع. ولو أنها استجابت لأوامر ربها و سارعت إلى مرضاته؛ “وعجلت إليك ربي لترضى”، لظفرت بحلاوة إيمانية عظيمة و لذاقت لذة روحية زهدتها في سائر اللذات و لله في خلقه شؤون .

نفحة علوية

زارتني سحرا نفحة علوية وسرى نورها في كياني، فأحسست بنشوة أطربت خلاياي ودعتني إلى مناجاة ربي، وإذا بي، والقلب قد امتلأ نورا وإشراقا، أطل من نافذة اليقين، وأنظر بعين البصيرة إلى درر ولآلئ من معاني الألفة الأصلية، وإذا بالآخرة قد أقبلت في أبهى حللها، وبالدنيا قد أدبرت كاسفة أنوارها، فسالت الله محبة الأولى وحسن تدبير الثانية .

نسمات نزوله

إذا داعبت نسمات نزوله قلبك، وانشرح لها صدرك، وودع الكرى عينيك، فاعلم أن الله قد أمطر قلبك بسحائب رحمته، وأنزلك ضيفا عليه، وبادر بتودده إليك ومحبته لك؛ “يحبهم ويحبونه”، فلا تعجبن لخفة روحك ولهج لسانك بذكره ولما تفارق مضجعك. لقد دعاك لقيام ليلك، وتزكية نفسك ومهجتك، فهو الفاعل وأنت المفعول، وإن كنت الذاكر وهو المذكور؛ “هو الذي حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم” .

لمة الملك

إذا انتبهت من نومك على صدى آيات من الذكر، أو ترجيع الآذان، أو “استجب لما يحييك”، أو ما شابه ذلك، فاعلم أن لمة الملك قد طافت بك، وأنك مدعو إلى مأدبة الرحمن. فانشط من عقالك، وبادر إلى ما يطهرك ويزكيك، وشد مئزرك وأحي بقية عمرك، واستدرك ما فاتك. فإذا أصبحت فصن طرفك عن رؤية ما يفسد عليك حالك، وصن خاطرك عن التفكر فيما يحجبك عن ربك. وانذر للرحمن صوما عن الدنيا كي تفطر على الرحيق المختوم وشراب السلسبيل.

احتم بجماله من جلاله

احتم بلطفه من قهره، واستعذ به منه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: “أعوذ بك منك”، واحذر مكره لأنه العزيز القهار، ولا تأمنه فقلبك بين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء. ولا يكن تعلقك باسمه الكريم يحجبك عن ذاته، ولا تشغل بشئ عنه فتفوتك رؤيته.

كيف يتحقق السفر إليه

طرقت الباب فقيل لي: ارجع من حيث أتيت، فافترشت التراب واستلقيت، ثم توسدت بخدي العتبة وبكيت، فنادتني هواتف الروح؛ تجرد من تاج الهوى وطيلسان النفس الأمارة، وطواغيت الشرك، والبس رداء الذل والافتقار، وقميص الخوف والاضطرار، وقتئذ يفتح الباب على مصراعيه، ويتحقق السفر منه إليه، ويحلو الذكر والمناجاة، ويحصل مالا تترجمه العبارات.

احذر عدوك واعنتصم بالله

أنت طيب وعلى الفطرة والحنفية السمحاء، فلا تترك الشياطين تجتالك، فتتلف فطرتك ثم تغتالك، وتلقي بك في جهنم أهذا مآلك ؟ ! لا والله؛ التجئ إليه، واعتصم به، واستمطر رحمته، ينزل على صدرك ماء يسري إلى قلبك الظمآن، فينبت نبات التقوى بإذن ربه، فينقشع الغمام، وتحيا جوارحك وخلاياك، ويصفو لك الجو فتتمنى اللقاء.

زهرة الدنيا خضراء الدمن

زهرة الدنيا خضراء الدمن، فلا ترن إليها بطرفك فيأسرك جمالها. وزهرة الآخرة منة المنن، ساقها في باطنك حيث فطرتك، ورأسها في مستقره حيث جنتك. واعلم أن حبك للأولى يسلبك زمانك ويفنيك، وأن حبك للثانية يحييك في زمانك ويبقيك، فلا تزال تترقى حتى تفنى إرادتك في إرادته سبحانه ما أجمله.

اطلب دار البقاء

طلق العجوز الشمطاء، واخطب ود العروب الحوراء، واهجر رجز دار الفناء، واصب إلى نعيم دار البقاء. فقد سرى الركب ليلا وأنت نائم، وطوى المراحل بالذكر وأنت هائم، فإلى متى تظل مغلولا مقيدا وقد أرادك الله عبدا مخلدا.

أين الفاني من الباقي

تقرب إلى الواحد الأحد، وعانق ساحل الأبد، ولا تقف مع اليوم فقد أخنى عليه الذي أخنى على لبد، ولكن انظر إلى غد. فمثلك لا يرضى بالدنيا مقاما، ولا يكن لنعيمها حبا ولا غراما. فأين الفاني من الباقي، وأين الثرى من الثريا، وأين النعيم بلا نعيم من نعيم لا يفنى، وأين الملك بلا ملك من ملك لا يبلى؛ حيث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وتطيب اللقيا ؟!!

تأس بالمصطفى (ص)

اقذف بحق الروح على باطل النفس فإذا هو زاهق، وتأس بالمصطفى وعبد طريقك ونقه من أثر كل شيطان مارق، وتبتل إلى الحق تبتيلا ولا تحفل بالكرامات واللوامع والبوارق، فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وتحجب بالشهوات عن المناجاة وبالخلق عن الخالق. “وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون”، وانبذ وساوسهم وفلسفتهم وعض بالنواجذ على كلام الصادق، واسلك سبيل أهل الصلاح والزهد والرقائق.

تحرر من رغبات العاجلة

لا ترغب عن ملة إبراهيم فتشقى، ولا ترغب بنفسك عن نفس نبيك فتضل. واجمع رغباتك في المرغوب الأحد، تسعد في الدارين إلى الأبد. واعلم أن تحررك من رغبات العاجلة يقوى يقينك ويحبب إليك نعيم الآجلة، وأن لهثك وراءها يضنيك، ومن الظمأ ما يرويك. واعلم أن شمسك قد أوشكت على الطلوع من مغربها، وأن ساعتك قد بدت كاشفة حجابها. فأين قلبك من وطأتها وهولها، وما أنت قائل لربك وربها ؟

مطلبك الوهم

إذا التفت عنه فأنت في غير مطلب، وأضحى مطلبك الوهم لأن ما سواه باطل. واعلم أن كل لذة فانية إلا لذة تصلك بوجهه، أو بصفة من صفاته. ومن ذاق حلاوة القرب زهد فيما سواها. وحلاوة القرب تدوم والأخرى لا تلبث إلا عشية أو ضحاها.

حياتك في الدنيا

حياتك في الدنيا زرع وبذر وفي الآخرة جني وحصاد، فعليك ببذر الخير والتزود ليوم المعاد، وتجنب بذر الشر فربك بالمرصاد، والخير يدوم ويبقى ويخلد أبد الآباد، والشر في الدنيا يبلى ويفنى فما أشبهه بالرماد؛ “مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد” .

أفكلما غزلت نقضت

ألهمك غزل الدنيا والآخرة وأبيت إلا النقض فما شكرت، ودلك على الهداية فأبصرت ثم أعرضت فما اهتديت، أفكلما غزلت نقضت ؟ بئس ما فعلت، ألهمك التقوى فما زكيت، فضللت الطريق وهمت على وجهك بما د سيت، عاهدت الله في الزمن الأول وقبل الأزمان فما وفيت، وشهدت له بالربوبية فما حفظت وما التزمت؛ “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”. فيا ليت شعري هل إلى مرد من سبيل، ومن دواء للقلب العليل، ومن أمل في نعيم الجنة وظلها الظليل، رحماك رحماك عبد لاذ بحماك.

القربان

قرب نفسك قربانا ليتم البيع (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) ثم انظر هل بقيت نفسك معك أم فارقتك، فإن كانت الأولى لم يتقبل قربانك، وإن كانت الثانية فأبشر لتمام البيع. واعلم أن بينك وبين الفلاح صبر ساعة وصدق لحظة وخشوع في صلاة؛ “قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون”.

صم عن شهواتك

صم في الدنيا عن شهواتك لتفطر في الآخرة على رحيقك ولذاتك، وتخلص من سجنك وقيود نفسك كي تعانق فطرتك وفضاء روحك. واعلم أن تسخيرك لنفسك لن يتحقق إلا بالصوم المذكور، فعجل بذلك لأن عجلة الزمان تدور، وزمانك طوع يديك إذا لم تثاقل نفسك إلى الأرض وتبادر إلى العبور.

الكلمة الطيبة

في البدء كانت الكلمة “كن”، فكانت الأكوان وما شاء الله أن يكون؛ “إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون”. استمع إلى صدى “الكلمة” في الأرض والسماء، بل في نفسك وبين جناحيك “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”.تدبر”كن” وسريانها في الكون، ولا تحجب عن المكون، وعلق الفعل بالفاعل والكلمة بصاحبها. قل كلمتك ولتكن طيبة؛ “ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة”، واستمد قوتك من روح الكلمة الأولى، واستعن بالقرآن حيث جلال الكلمة والمتكلم، ونور المعنى في جمال المبنى. وإذا لم تنهل من مشكاة كلامه فقد حيل بينك وبينه، وعلا الوقر أذنيك، وانتفى صدى الكلمة في جوانب نفسك؛ “لهم آذان لا يسمعون بها”. قل كلمتك وكن صادقا تجد أثرها في نفسك وفيمن حولك. ومن صدقت لهجته ظهرت حجته، وأفضل القول ما اقترن بالفعل. قل كلمتك وكن مريدا فالكلمة من الكلمة، والإرادة من الإرادة، ولا حول ولا قوة لك إلا به سبحانه ما أعظمه.

حيرة وسكينة

كثرت آمالك وتنوعت، وتجددت حاجاتك وتعددت، فضاق عليك الفضاء بما رحب وهمست إلى نفسك: يا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني كنت معدوما ولم أكن شيئا مذكورا . ثم تداركتك رياح الرحمة لما علمت ألا ملجأ منه إلا إليه، وأن الفاقات لا تسد إلا بالافتقار إليه، وأن ذكرك له يغنيك عن ذكرك لما سواه، فتلاشت آمال النفس الأمارة، وخمدت نار الحاجات والشهوات، وحلت السكينة محل الحيرة، ورجعت إلى أصلك حيث أنت الذاكر وهو المذكور، وأنت العابد وهو المعبود.

الحق أبلج والباطل لجلج

اربدت الدنيا من حولك وأظلمت، وضاقت نفسك بالخطوب والفتن فاشتكت وانزعجت، ثم جهلت فوسوست؛ بدا الباطل وبطن الحق والمسلمون غثاء كغثاء السيل، فانج بنفسك في شعاب الأودية أو أودية الخيال. كلا فالحق أبلج والباطل لجلج، ومن ركب المنى أسحر وأدلج. فلا يجزعنك زبد الظلم ورعد الطغاة وبرقهم، فإنها سحابة صيف عن قريب تقشع ويتلاشى ما كان يخاف ويفزع؛ “وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام”.

الله أكبر

الله أكبر نقطة بدايتي ونهايتي ونور هدايتي إلى فطرتي. الله أكبر حصني وملجأي وفرحي ومناي، وعقال نفسي وغذاء روحي. الله أكبر فرجي من كربتي، ونجاتي من شهوتي، وسلاحي على أعدائي، ونصري في معركتي. الله أكبر سر توبتي وأوبتي، ونفق مراقبتي ومحاسبتي، وعدتي في مجاهدتي. الله أكبر مفتاح صلاتي وركوعي و سجودي وذكرى وتسبيحي.

الله أكبر من السماوات والأرض فلا تعجبن، وأكبر من هول القيامة وزلزلة الساعة وذهولها فتثبت، وأكبر من بلوغ الروح الحلقوم والتراقي فظن به خيرا، وأكبر من مرضك وفاقتك وهمومك فلا تيأسن، وأكبر من خوفك وأمنك وحزنك وفرحك وفقرك وغناك وضعفك وقوتك ومعصيتك وطاعتك فلا تزيغن، وأكبرمن صبرك وشكرك، وبرك وإحسانك وذكرك وعبادتك وخشوعك فلا تغترن، وأكبر من نعيم الذكر وبرد اليقين وحلاوة الأنس ولذة المناجاة وبوارق المكاشفة فلا تقنعن كي لا تحجب، والتمس المزيد وأن إلى ربك المنتهى .

كسر أصنامك

كسر أصنامك تبد لك أسرارك، ولذ بالرحمان تفز بالإحسان. أبناء جلدتك عكفوا على الأصنام وزينوها ووضعوا لها الأرقام، وحلت عندهم محل خالق الأنام، ومنها المحسوس والمخيل، والثاني أظلم لتعلقه بالوهم، وكلاهما سراب لأن ما خلا الله باطل، “ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور”. لا تلتفت إلى الأصنام فتصيبك السهام، وتبرأ منها وممن يطوف حولها، واحتم بصاحب الحول سبحانه ما أعظمه.

لا تفرح بموجود

لا تفرح بموجود ولا تحزن على مفقود؛ “لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آ تاكم”، واعلم أن الله خلقك له؛ “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”. فلا تجعل نفسك لغيره فتشقى وتعذب؛ “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى”. واعلم أن الموجود من الفانيات خلق لك ولم تخلق له، فلا تفرح لتملكه، ولا تحزن على فقدانه فتلحق الأذى بجوهرك.

قد أعذر من أنذر

أما تدري أن صدى ( ألست بربكم ) ما زال يتردد في كيانك، وأن أثر(بلى شهدنا) لن ينمحي بل حجب عن سمعك الباطني تحت وطأة شهواتك، بعد أن زين الشيطان لك أعمالك وجعلت كلام ربك دبر أذنيك، واتخذت إلهك هواك. حذار أن تحشر مع طائفة ( إنا كنا عن هذا غافلين ) أو طائفة ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله و إن كنت لمن الساخرين ) وقد أعذر من أنذر.

نظرة إلى الكعبة

نظرت إلى الكعبة نظرة أشرقت لها روحي، واهتز كياني، وطرب قلبي، ورقصت خلاياي، فشق علي مغادرة المكان من شدة الأسر ووطأة الحال.فما أعذبها من لحظات، وألذها من إحساسات، وأسناها من إشراقات. فكاني باليقين قد بلغ مداه، حتى لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وبالشوق قد حقق مناه. فما كان مني والحالة هاته إلا أن عاهدت ربي على ما عاهدته عليه عسى أن أكون بذلك شكورا.

اسكن أول بيت

لا تسكن في مساكن الذين ظلموا، ولا تسكن إلى بيت بنيته ورفعت قواعده، فقد يتصدع أو يخر عليك سقفه، واسكن أول بيت وضع لك تظفر بالهدى والبركة، وتنعم بالأمن وتشملك الرحمة وتتجلى لك الآيات البينات، واسأل الله استضافتك. وإذا لم تطأ أقدامك فناءه ولم تستطع إليه سبيلا، فاملأ قلبك بحب رب البيت وعظمه، فكم من حاج لم يحج، وكم من قاعد حيل بينه وبين ذلك قد نال رضا الله وعفوه.

تغشتك ليلة عرفات

تغشتك ليلة عرفات فلا أثر، وأظلك يومها الندي فلا مطر ولا عبر, فأرض نفسك جذباء قاعا صفصفا ما الخبر ؟ ضيف طاف بك فأقليته، وتعرف إليك فأنكرته، فأنت لحقيقة نفسك أشد إنكارا. اجعل أيام عمرك عرفات، ترفع حجب نفسك، وترن بعين قلبك إلى الغرفات، وإلا فقد علا الران ووقع الختم، وحيل بينك وبين خالقك لأن “الله يحول بين المرء وقلبه”.

أنعم بها من تذكرة

مالي وللفاني، قد ملأ قلبي بالأماني، وفي بحر الغفلة رماني، أريد أن أحيا طليقا، عاشقا للسبع المثاني، ليس لي بد من خالقي؛ اهرع إليه في كل حين، يكلأني ويرعاني، وبالذكر قد حباني، سألته الزهد في الدنيا لأنه منبع اليقين، والكنز الذي لا يفنى، وطريق التمكين، ومصدر العلم والتقوى، وحلية المصطفى الأمين، وأساس العلم والإرادة ومفتاح باب السعادة، وسبيل التفكير في الآخرة، فأنعم بها من تذكرة.

طوبى للغرباء

اجعل التقوى زادك والمراقبة عضدك، واحرص على استحضار الخشية في قلبك، وانبذ ما علق به من أدران، وايأس مما في أيدي الخلق يقربك الخالق، وإذا قربك فقد اجتباك، وما ذلك على الله بعزيز. ومهما هان عليك شأن الخلق نجوت من الغرق، وركبت السفينة، وتبدد شبح الرياء. وإذا سلكت سبيل المجاهدة أعطيت دليل الهداية، ومن قرع الباب فتح له. والانسان خلق للعبادة، فإن مال عنها مال عن أصله، وأصبح غريبا عنه وذلك عين التيه. احذر أن تكون غريبا عن أصلك وفطرتك، واحرص على أن تكون غريبا في الدنيا تفز بسعادة الدارين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بدأ الإسلام غريبا ويعود غريبا فطوبى للغرباء”.

ناشئة الليل

كم من متزمل راقد ليله لم يقرع النداء أذنيه، وكم من غافل صير ليله نهارا وعصى ربه جهارا. اهجر مضجعك واسهر حينا من ليلك في مناجاة ربك قبل أن يكشف عن ساق ويتعذر السجود. إن لك في ناشئة الليل نفسا أصفى، وذهنا أوعى، وقلبا أخشع، وصدرا أوسع. فإذا هدأت الأصوات، وانقطعت الحركات، توجه إلى خالق الكائنات، واجعل في قلبك للرحمات سبيلا عسى أن ينفعك ذلك يوم يأخذ العزيز الظالمين أخذا وبيلا.

نعيم المناجاة

الحمد لله رب العالمين؛ حمدني عبدي، الرحمن الرحيم؛ أثنى علي عبدي، مالك يوم الدين مجدني عبدي. أعظم بها من لحظات ينعم فيها القلب بصدى المناجاة، ويخترق الصدى حاسة السمع الباطنية، فيخشع الكيان أمام صولة الآيات، ويصبح الحق جليسك ومن وحشة الدنيا أنيسك, ومن أحسن من الله جليسا وأعظم منه أنيسا. طوبى لك وقد فتح الباب على مصراعيه، وأذن لك بالمثول بين يديه، فتصور المنح والعطايا من لذة الذكر ونعيم المناجاة إلى النظر إلى وجهه يوم لقائه.

بين نور الحياء ونار الاعتراض

أوجدك بعد عدم حقا، وأنطقك حين أشهدك على نفسك محبة وخيرا؛ “وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى”، وخلق الكون وأقام السماوات العلا، وأمر من فيهن بتسبيحه كرما وعدلا. إن نظرت إلى كونه وخلقه بعين العدل تحققت به، واندفعت إلى فعله وتجلى لك العدل فيما يصدر عن ربك وعلمت أنه أعدل العادلين، فأطلعك على مقامك وألبسك نور الحياء، فأطفأ نار الاعتراض والجدال، وحل الصمت والرضا محل لم وكيف ؟ وإن كنت كليل البصر حجبك وهمك عن رؤية العدل، وأراك الظلم مكانه، فحرمت الاستقرار وسقطت في مخالب الحيرة، وقمت كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وحدت عن ناموس الكون مع أنك فيه، وإليه يرجع الأمر كله سبحانه ما أعدله.

ما ثم غير تدبيره

إلزم مكانك ولا تغادره إن كنت مقيما فيه بالله وإلا فلا مكان لك، والعلامة ألا ترى لنفسك علامة، ودوام التوبة والإبصار حين المس “إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون”، ورد ذلك إلى العناية الأزلية، واللاحقة عين السابقة “إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون”، وما ثم غير تدبيره، وتدبيرك مسؤول عنه، وبما كسبت رهين.

اتخذ لنفسك مكانا شرقيا

اتخذ لنفسك مكانا شرقيا واثبت على ذلك ولو غرب كل من حولك، والله يحجبك عن عيون الخلق, شمس بصرك تغرب لفنائها وفنائه. وشمس بصيرتك في شروق ولو عند كشف الغطاء، وحين تشرق الأرض بنور ربها، ويرفع الحجاب وتعنو الوجوه للحي القيوم. شمس المعارف الربانية تورث الوهب، ومن صفاته الوهاب، وشمس العلوم الدنيوية تورث الكسب ومن صفاتك الكاسب، وقد أمرت أن تتخلق بأخلاقه، وأخلاقه من صفاته.

الشمس على أطراف النخيل

لا تغتر بضوء الشمس فقد كسفت وهي على أطراف النخيل، والزمان قد انقضى نهاره ودخل ليله، وأوشكت شمس لا تغيب بالشروق، جدد إيمانك وتوضأ بماء الحياة من عين طاهرة، وامكث على ذلك لعلك تحظى بما لا يخطر على بالك، فقد يصيبك الله برحمة لا تشقى بعدها أبدا، وقد يعرفك بذلك لأنه يبشر من يشاء من عباده. وإذا مستك تلك الرحمة قد تشعر بفتور في أعضائك وجوارحك وميل إلى الصمت، وأصل ذلك لذة باطنية أنستك ما سواها من اللذات، فإن دامت فنعما هي وإلا فما مستك رحمة؛ ” ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها”.

هو المدبرِّ وأنت المدبَّر

إذا شق عليك أن تفكر فيما سواه وفيما لا ضرورة فيه، وقلت الخواطر أو كادت تنعدم، وألفيت باطنك ثابتا، وما وقع عليه بصرك من ظلال متحركا نحو العدم، كان ذلك من علامات اللطف. ومهما لطف بك الحق دمت محفوفا بعنايته، وكفيت التفكير في كثير من شؤونك، ولمست تحققها دون عناء منك، فهو المدبر وأنت المدبر.

أقم قيامتك

إذا تذكرت الواقعة، وبرق البصر، وخسوف القمر، ولم يصبك خدر، ولا وجدت أثرا في باطنك، فما حصل لك اليقين بالمشهد الرهيب. أقم قيامتك قبل يومها، واستحضر مشاهدها قبل أن تباغثك، واجمع غدك بيومك وما ثم غير يومك. وإذا صح منك التقرب أعطيت سر العبادة، ونلت حلاوة المناجاة، وغشيتك السكينة، وكتبت في ديوان المقربين، ومن ذاق لذة الوهب لا يفرح بالكسب.

يالوهول المطلع

أزفت الآزفة، وصخت الصاخة، وأدبرت الدنيا وأقبلت الآخرة، وأنت في شأن آخر كأنك غير مطلوب ولا مخاطب؛ “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون”. كلا لتقفن بين يدي العزيز ويا لهول المطلع، ولتفترسنك الندامة ويا لسوء المصرع، ليت أمي لم تلدني أين المفزع ؟

جن ليلك

جن ليلك وأظلم، وانقضى  نهارك وانصرم، ولم تجد آياتهما إلى قلبك سبيلا، ولا استطاعت أن ترتل كلماتها على سمعك ترتيلا، ولا أن تناجيك فتحدثت في باطنك لذة ونعيما ومشهدا جمينلا. ما أقسى قلبك، وأ صم سمعك، وأعمى بصرك وبصيرتك!! فكأني  أنظر إلى يوم القيامة وقد “عنت الوجوه للحي القيوم “، ومزقت القلوب الحسرة والندامة، “وقيل بعدا للقوم الظالمين”.

نحن أقرب إليك

نحن أقرب إليك من حبل الوريد، والمنادي ينادي من مكان قريب، ونداؤه لم يطرق باطن أذنيك لأنك ممن لهم “آذان لا يسمعون بها” ، فاقتصر سمعك على ظاهرك وحجب عنك باطنك حيث فطرتك، وفقدت حاستك السمعية جوهرها فلا إلهام ولا نور، واختفى صوت المنادي ليزعجك بعد حين.

عليك باليقين

أنت ميت وتحسب نفسك حيا، وحياتك من نوره “أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها”، ونوره من اليقين، والموت أول مراحل اليقين؛ “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”. فأكثر من ذكر هادم اللذات كي تحظى باليقين، وينشرح الصدر، وتنعم باليقظة، وتستشعر غربتك الدنيوية، وتتنسم عبير الحياة الأبدية. فتقرب إلى الله واسجد له بقلبك آخر سجدة، ولا ترفع رأسك منها أبدا، وصل صلاة مودع.

اعمل وظن بالله خيرا وبالنفس شرا، وانشد اليقين حتى يستهين قلبك بما استثقلته نفسك وتعمل على المعاينة كالعبد في الدنيا أمام سيده، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، وإن أعوزك اليقين ثقلت عليك العبادة وحرمت السكينة وفاتتك لذة القرب.

أجمل ما يرى

خير ما يلقى في القلب اليقين، وأجمل ما يرى وجه رب العالمين، وألذ ما يطرب السمع كلام الحبيب وترتيل الذكر بمزمار داود وشذو نساء الجنة والحور العين. وأحسن ما تقر به العين مقام أمين في أعلى عليين. وكل ما لم يفض بك إلى هذا فوهم وغرور وتخمين، أو هشيم تذروه الرياح فوق الربى وعلى البطاح. ولله ذر لبيد:

ألا كل شئ ماخلا الله باطل         وكل نعيم لا محالة زائل.

وجه الله أعظم مما يخطر على بالك وأقر للعين وأجمل ما يرى وأبهى، وليس وراء الله مرمى، ولا بعد ذكر الله من خير يرجى أو نعمة تجتبى، ولا أحسن من قرآنه ما يتلى، وإليه يصعد الكلم الطيب ويرقى.

عرائس الجنة تناديك

عرائس الجنة تناديك وتتود إليك وقد طال انتظارها ولما يلن قلبك. بل أنت في شأن آخر وقد ركبت بحر الغفلة والشهوات، فحيل بينك وبين هاتيك النداءات، فضاعت روحك بين الأنفاق وفي الفلوات. آمن عقلك بالميعاد ولم يؤمن قلبك، فلا خير ولا أثر. وإذا لم تنجذب نفسك إلى نعيم الجنة فقد حرمت المنة، وخلا قلبك من التصديق، وإن صدقت فلا يقين.

أجمل بيت

أجمل بيت أنت داخله جنة المأوى، حيث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فطاب المقام وطاب المثوى. ذلك لمن سجد وعبد ونهى النفس عن الهوى وسلك سبيل الرشد، ولبس لباس التقوى. فليبشرنك ربك في دنياك، ولترتعن في النعم في أخراك فترضى، وهل جزاء من أحسن وقبل البيع إلا الحسنى ؟

الطائف النفسي

إذا خطر ببالك خاطر نفسي أو شيطاني وطردته في الحال، نور الله سريرتك؛ “إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون”، وأبدلك به واردا إيمانيا تجد أثره في قلبك وكيانك، فتشعر بانتقالك من الظلمة إلى النور، ومن الضيق إلى السعة، ومن الأسر إلى العتق، وكأن مالك الملك ملكك زمام نفسك، فاحمد الله واثبت ولا تغتر لأنه مقلب القلوب سبحانه ما أعزه.

كن راميا

يا بني كن راميا ثم راميا ثم راميا، وإذا لم تستطع فعليك بسورة لقمان فإنها تعلم الحكمة، بل الوحي كله عين الحكمة. وإذا وضعت الحرب أوزارها، فنازل نفسك منازلة عزيزة، فإن أذعنت أو جنحت للسلم فاجنح لها، واشترط عليها، وإلا فلا تغمد سيفك حتى تفئ إلى أمر الله. فإن فاءت فعاملها باللطف والحكمة، فإنها أسيرة ومنكسرة. ثم صاحبها بالترغيب والترهيب وذكرها بالمنزل الأول؛ منزل الحبيب، قبل الشروق وعند المغيب.

تحل بالخشوع

إذا أدركته لم يفتك شيء، وإذا فاتك لم تدرك شيئا. واعلم أن العلم بلا خشية كالصلاة بلا خشوع، وأن العبادة بلا طعم كالبكاء بلا دموع. واعلم أن الموت أقرب إليك من حبل الوريد، وأن الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها. فأين أنت منها ومن الوعد والوعيد، ومن بيده ملكوت السماوات والأرض ومن يفني ويعيد؟

انتصر على نفسك

اقتحم حصن النفس تفز بالكنز؛ (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، واطرد جيش النحس؛ الشيطان وجنوده، فقد ملك الحصن وأنت ساه، وعاث فيه فسادا وأنت لاه. فغدا المريد وأنت المراد، وسلب منك العقل والفؤاد؛ (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله )، فإلى متى هذا النوم والسهاد وربك لك بالمرصاد؟

استحضر القيامة

أزعجتك المصائب وأقضت مضجعك الفتن والنوائب، فضاقت عليك الأرض بما رحبت، وهمست إلى نفسك: ليت أمي لم تولد ولا ولدت. ولو استحضرت مصيبة الحشر والقيامة، وتأملت ببصيرتك هول الحسرة والندامة، لهانت عليك مصائبك، وتلاشت من حولك نوائبك، ولعلمت أن (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه)، وأن الأقلام قد جفت والصحف قد طويت وآدم بين الطين والماء.

لاتحجب بالمحسوس

ظاهرك من عالم الشهادة، وباطنك من عالم الغيب، وما بينك وبين العالمين كما بين السماء والأرض أو أبعد، والعلة حجاب نفسك الحجاب. فلو خرقت هذا الحجاب، لبدت لك أسرار وحقائق من عالم الشهادة، ولارتحلت بقلبك إلى عالم الغيب والآخرة ، ولغدوت من الذين يؤمنون بالغيب ويوقنون به. ونسبت إلى عالم الشهادة إلى عالم الغيب، كنسبة قطرة إلى ماء بحرها.فعالم الشهادة معدوم، وعالم الغيب موجود، والشهادة حبة رمل في بيداء الغيب.

ارض بالله ربا

لن تذوق طعم الإيمان ما لم يتجاف جنبك عن مضجعك، ونفسك عن شهواتك، إذ (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)، ولا لعبد قبلتين لعبادته. فكيف تعبد إلهين اثنين: إلهك وهواك ؟ ! وهو لا يغفر أن يشرك به ؟ وتتوهم وجود كعبتين (وكل في فلك يسبحون)، وحول كعبة يحومون، والملائكة من حول العرش يحفون، يسبحون لا يسأمون.

اطرد الشهوات

علا صدرك دخان الشهوات، وأثقل كاهلك حمل السيئات، وتمردت نفسك فلم تعتبر بماض ولا اتعظت بما هو آت، فحيل بينك وبين قلبك، وهمت على وجهك في الفلوات (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). التمس نور الزهد وبدد أستار الظلمات، تظفر بالعقل والتمييز وأسمى الإرادات، وتحظ بالقرب واليقين والرضا وأرقى المحبات. وفي الحديث؛ ( ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس).

أنب إلى ربك

انقلب وأنب إليه، واسجد واركع له وحده تسلم. وهب حياتك وموتك له تغنم، وإلا فالنكد والعذاب؛ (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق). فالله الله، احذر المكان السحيق لا أنت عبد فيه ولا طليق.

استعد للموت

الموت الموت، القبر القبر، كأني محمول على الأكتاف؛ مسوق إلى روضتي أو حفرتي. فيا ليت شعري هل من أنيس يؤنسني أو جليس يحدثني؟ أنا عملك الصالح فطب نفسا وتفيأ ظلالي، أنا عملك القبيح تجرع سما وكابد الليالي.

استحضر الحسرة الكبرى

موتك حياتك، وحياتك موتك، موتك لقاؤك ولقاؤك حسرتك؛ (يا ليتني قدمت لحياتي). نفسك تختنق وفي القبر قد تحترق، وفي النار قد تلقى فبئس المثوى والمرتفق. وبئس قولك؛ (يا مالك ليقض علينا ربك). هيهات هيهات، مات الموت وفات الفوات.

ما لك من اختيار

عليك بالاضطرار، فقد تقارب الزمان، وضاق الوقت، وأوشكت ساعة نفسك على التوقف ؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه)، ولذ بالافتقار، فلا ملجأ لك إلا هو؛ (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله )، وبادر إلى الفرار فقد سعرت النار ولفحك لهيبها ولما تراها؛ (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين)، واستنجد بالعزيز الغفار قبل أن يطلع النهار، فيغشى ضوؤه الأبصار، وقتئذ تعنو (الوجوه للحي القيوم)، ويتميز الحق من الباطل والمؤمنون من الكفار.

تذكر فوات الخير

هيهات التخلص من الهلع والنجاة من الفزع، لقد فاتك الخير وسبقه الشر، وأطعت الهوى والشيطان، فألقياك في اليم مخبولا ولهان. أما تدري أنك خلقت لعبادته ؟ وأمرت بالصلاة لذكره، وبالصدقة لشكره وحمده؟ فافزع إليه ينكشف الفزع مما سواه، واخلع هواك تفز بهداك.

اختر ما عند الله

اجعل دنياك بين صلاتك وذكرك؛ (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)، تتحقق بعبوديتك لله، وإلا كنت عبد اللهو والتجارة، فحرمت الحياة الطيبة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة. واعلم أن عبوديتك لله نعيم وبقاء، وأن عبادتك للدنيا شقاء وفناء أو هشيم (تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا).

تفكر في آيات الله

لست من عالم الشهادة وإن كنت جزءا منه، ولا صلة لك بعالم الآخرة مع ألا شهادة دون الآخرة. واعلم أنك حجبت عن عالم الشهادة لما لم تدلك مخلوقاته على خالقه، وحجبت عن عالم الآخرة لما تعطلت حواسك ؛ (لهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها)، وعكفت على مرآة خيالك. فعليك بإصلاح الحواس وكسر المرآة كي تنجلي لك حقيقتك، وينكشف الغطاء، فتلتحم الشهادة بالآخرة والسماء.

رزقك يطلبك

الرزق مقدر فلم الهلع، والدنيا فانية فلم الطمع، والموت نازل، والواقعة واقعة، والقصاص حاصل، فبم الفرح؛ (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).

لا تكفر النعمة

ذقت رحمته فانبسطت وما شكرت، ثم نزعها فيئست وما صبرت، بل كفرت وجحدت، ثم أعرضت وأبقت، ونسيت أنك عبد لا رب لك سواه؛ (إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا)، وأنك مملوك في مملكة الديان حيث تسعد مطيعا وتشقى آبقا.

ارفع الحجب باليقين

رأيت الجنة بعيني نبيي فأحسست ببرد اليقين، وعاينت النار بهما فتعوذت منها ومن أهلها الخاسرين. فالجنة قد أزلفت، والنار قد سعرت، والمعاين نبيك، وبصره بصيرتك، وإلا فقد حيل بينك وبين نوره، وعند كشف الغطاء، يتميز الحق من الباطل والنور من الظلماء.

اتبع ولا تبتدع

اعتزلهم وما يعبدون، واصعد جبل الرحمة، وادخل كهف الحكمة؛ تسطع عليك أنوار الشريعة، فتحسن إلى نفسك وترد الوديعة. ولا تفصل بين الشريعة والحقيقة؛ فالحق واحد لا يتجزأ. ودع عنك خيالات القوم وشطحاتهم وهيمانهم، وتغنيهم بحقيقتهم؛ (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

آثر الآخرة

إذا تمثلت حقيقة الزهد، وارتويت من معينها، وأحسست بروحها تسري في كيانك، ضاق زمن نفسك، وانحسرت الخواطر الشيطانية، واتسع زمن روحك، وتدفقت الخواطر الإيمانية، وعزفت نفسك عن الدنيا وتعلقت بالآخرة، وإلا فما تمثلت وما ارتويت وما أحسست، وإنما هي أوهام وضرب في حديد بارد. وشتان ما بين الزهد والتزهد، وما بين الحقيقة والدعوى.

احي حياة مودع

“صل صلاة مودع”، واكل أكل مودع، واشرب شرب مودع، واحي حياة مودع، وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. وإذا لم تودع الدنيا بمحض إرادتك، ودعتك وأنت كاره، فاحرص أن تكون المودع لا المودع، والفاعل لا المفعول، والمنتصر لا المخذول.

الضنك الضنك

أعرض الإنسان فانقلب الزمان، وفسد المكان؛ (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس). وأشرك الجنان، فانحرف اللسان، وضاع البيان. وهجر القرآن، فعودي الرحمان، ومات الإنسان؛ (أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمان ليس بخارج منها). إقرأ القرآن، ولذ بالرحمان، تمنح البيان؛ (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان).

كن بربك

حقق ذاتك وانف ما ليس لك يثبت ما هو لك. والتحلي بالتخلي والثبوت يسبقه النفي: لا إله إلا الله. فتمسك بالآخرة لأن الدنيا ظل زائل، وأنت فيها قائل. وليس لما خلا الله وجود بذاته، وربنا تعالى وحدة بذاته. فاخلع نعليك وجاوز العتبة، واسع إليه تجدك عنده وما كنت عند غيره.

ليكن همك الخالق

لا تطلب حدا ولا محدودا، ولا تسكن إليه، إذ لا وجود له بذاته. والمقصود وسع كرسيه السماوات والأرض؛ لا حدود له،والكرسي نقطة في العرش، والعرش مربوب له، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم. ثم إن روحك تحن دائما إلى الأصل، فلا تتوهم حدودا لها إذ كل محدود يفنى وليست فانية. ولما كانت الأرواح تنشد اللامحدود باستمرار، كان ألذ ما تتمتع به العيون النظر إلى وجه الحق سبحانه ما أجمله. لا تجعل حدودا لهمتك، واعلم أن الله قد أرادك له، فلا غنى لك عنه، وهو غني عنك إذ كان ولم تكن.

افسخ بيع الغبن

اخرق سفينة دنياك كي تعيب، فيزهد فيها جنود النفس الأمارة، فتأمن شرهم، فيخلو لك الطريق، ويرق الحجاب. وأصلح سفينة آخرتك، فلا دار إلا دار الآخرة، ولا حرث إلا حرثها، وافسخ بيعك لها قبل فوات الأوان، فقد غبنت، ورد المال الفاسد إلى صاحبه. كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها.

أفق من غفلتك

لا خبر عندهم فيما هم إليه سائرون، ولا عقل لديهم يعقل ما هم به مخاطبون. كأنما وجدوا من غير سبب، ونشروا على الأرض لغير طلب. هيهات هيهات؛ أتظن الأمر لهو والحياة لغوا ؟ كلا، إذ كل ما يحيط بك، لو أبصرت، له خاضع، وإليه راجع. فاخلع نعليك إنك قاب قوسين أو أدنى من الحرم الآمن، وإلا فار التنور وقيل بعدا للقوم الظالمين.

لا تعطل حواسك

تأمل ضخامة المكان؛ (إن في خلق السماوات والأرض)، وعظمة الزمان؛ (واختلاف الليل والنهار)، تحظ باللب والعقل واليقين؛ (لآيات لأولي الألباب)، وتتحل بأوصاف الذاكرين الواصلين؛ (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم)، وإلا فلا مكان لك ولا زمان، ولا ذكر ولا فكر، ولا اعتبار ولا استبصار، ووجودك عدم، وحياتك موت، وحواسك لا تستجيب ؛ (صم بكم عمي فهم لا يعقلون).

اطلب حرث الآخرة

صم عن دنياك كي تفطر على آخرتك، واسأل الله أن يجعل شهواتك بردا وسلاما على قلبك، وأن يرسل عليه رياح الرحمة، فتثير سحائب اللطف، فيمطر بها أرض النفس الأمارة، فتهتز وتنبت من كل فعل جميل وخلق سني. (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه).

ارتو بماء اليقين

اطلب اليقين كي تقذف في عين الحقيقة، كما ألقي السحرة ساجدين، ولن يضرك بعد ذلك شيء، ولسان حالك: (إنا إلى ربنا لمنقلبون). والتمس منه ربط القلب كما ربط على قلوب الفتية؛ (إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها)، وعلى قلب أم موسى؛ (لتكون من المؤمنين)، ثم لن تستوحش مما يستوحش منه الغافلون، ولن تأنس إلا بما يأنس به الواصلون.

تفيأ ظلال السكينة

استمطر سكينته وألح في طلبها فقد يكرمك بها ؛ (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم). وإذا غشيتك، كنت في حرم آمن، أو كأنك في البلد الأمين، فاشتدت الفراسة، وقوي اليقين، وفتح لك باب الحكمة، فنهلت من عين المعاني والسبع المثاني، واستعذبت الرقائق ونطقت بالحقائق.

احذر زهرة الدنيا

راودتك الدنيا عن نفسك فاستجبت لها، وأماطت عن محاسنها الخمار فذهلت بها، وأسرت إليك بحديثها الساحر فأصغيت لها. كلا، لا تحجبنك “جنة” الدنيا عن جنة الآخرة، ولا الدار الفانية عن الدار الباقية، وشتان ما بين الفناء والخلود، وما بين العدم والوجود، وما أقرب يومك من اليوم الموعود.

إياك والاستدراج

علاك موج كالظلل فاستنجدت بالله فأنقذك، ثم همت في ظلمات بعضها فوق بعض فدعوته فخلصك، كم ذا يحسن وتسييء، وينعم وتكفر؟ حذار أن يغرك ركود بحر النفس، فقد يعود ما دهاك بالأمس، ويباغثك موج أهول من السيل بالليل، وتبلغ الروح الحلقوم، ويعرض عنك الحي القيوم، فتفترسك الحسرة وتلقى في السموم.

اغتنم الأسحار

أشرقت الأنوار، وتفجرت العيون والآبار، وتنزلت الأسرار مع نزول الملك الغفار، وخوطبت في الأسحار: “هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له…”. لا أحد في الدار، ولا من يرغب في الأذكار أو يرجو الاستغفار؛ (صم بكم عمي فهم لا يرجعون). زهدت النفوس في عرائس الآخرة، وفي قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)، فبئس الزهد وبئست الكرة الخاسرة.

لا تغرنك الأوهام

ما لك فتقت ما كان ولم يزل رتقا، ورمت بذلك قلب الباطل حقا، وزعمت أن الدين حقيقة وشريعة، وظاهر وباطن، والحقيقة لباب والشريعة قشور!! أما وسعتك عقيدة التوحيد وصفاؤها، وسنة المصطفى صلوات الله عليه وضياؤها. حذار أن تستدرجك الأوهام والخيالات، واللوامع والإشراقات، والبوارق والضلالات، فتمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

تجرد عما يقطعك

تجرد من نسيج أوهامك وغزل شهواتك، وأحرم بتوبة من غير ميقات، وطف ببيت التوحيد، وتعلق بمعاني الصفات الإلهية، واسع بين الخوف والرجاء؛ بدءا بالأول وختما بالثاني، واستمطر الرحمة من فوق جبلها، وتعرف إلى الرحيم معرفة لن تشقى بعدها أبدا؛ (… اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت لهم…). وتمثل نفسك إسماعيل الذبيح، واقطع بسكين الصبر واليقين حلقوم النفس الأمارة والودجين كي ينهمر دم الغفلة والشهوات فتتجلى لك الآيات.

أيقظ بصيرتك

إذا استمعت إلى كلام الله ولم تتعظ فأنت أصم. وإذا نظرت إلى آياته في نفسك والكون ولم تهتد فأنت أعمى. واعلم أن الصمم صمم القلب والعمى عماه؛ (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)، وأن النور واليقين في الوحي والشك يعتري ما سواه؛ (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين).

عليك بطعم الإيمان

إذا ظفرت بحلاوة الإيمان، فارعها وذد عن حوضها، ولا تترك سبع شهواتك يلغ فيها، فتنقلب مرارة وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. واعلم أن طعم الإيمان لا يجتمع وسم الشهوات، كما لا يجتمع الإخلاص والرياء، ولا التوحيد والشرك، ولا العلم والجهل. ومن رام الجمع بين المتناقضين كان كالقابض على الماء.

فصل مقتطف من كتابي: “تجربتي الصوفية”، منشورات الزمن؛ الرباط، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء/المغرب. ص 142 وما بعدها. 1432-2011.

4 تعليقات في “واردات وخواطر إيمانية بعد توبتي ومفارقتي للتصوف”

  1. محمد الحليمي كتب:

    جزاك الله خيرا

  2. الح كتب:

    جزاك الله الفردوس الأعلى

  3. الحسين بنعربية كتب:

    جزاك الله الفردوس الأعلى

  4. ليلى حيباق كتب:

    من أجمل ما قرأت أستاذي الفاضل ، لا حرمك الله الجنة

اترك تعليقك