مناظرة صوفية (الجزء الخامس والأخير)

الملثم أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم

اقول وبالله التوفيق .. وعليه المعتمد
اننى ساتوجه ببعض الكلمات للقارئ الكريم، وليس للاخ عبد الله الشارف الذى تعمد الهروب  من كل سؤال يوجه اليه ..
بعد متابعتى للنقاش الطويل، ارى ان سيدى على الصوفى كان ملهما فى الردود !
اولا لأنه تنبه للسم الذى حاول الاخ عبد الله الشارف ان يضعه فى العسل ويسقيه للناس ..
فقد كتب مقالا اوله رحمه ،واوسطه تدليس،  واخره تضليل. وكان ظاهره الرحمه وباطنه من قبله العذاب اذ حاول الاخ بكل نعومة ان يشرب القارئ من نقيع ضلال ابن تيميه وتلميذه المسكين ابن القيم .
وقد تفطن السيد الهمام على الصوفى لذلك وبدا رده بحدة .. تعجب منها البعض !!
ولكن سرعان ما ظهر ان الحق معه .. حيث ظهر الاخ الشارف فى صورة غير ما بدا به من مراوغه وعدم اجابات مباشرة، وترك للموضوع الاصلى ثم راح يجادل فى التوقيعات !!!!!!
ومع ذلك لا يعطى لنفسه مساحة من التروى للفهم والاقتناع ..

واعلم ايها القارئ العزيز .. ان شيخ التربية هو الاصل فى الدين .. وليس شيخ التعليم.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشيخ الاول للامة والمعلم الاكبر ..
ولم يقل انى بعثت للعلم الجدلى رغم انه كان معلما ،ولكنه كان معلما للتربية فقال فى حديثه : انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق .
ومن يتأمل كيف كان الرسول يربى اصحابه يجد امرا عجيبا ..
وهو ان النبى لم يكن يكتفى بالتعليم الكلامى او الدروس الفقهية،وانما كان يعتمد على التربية الروحية قبل كل شئ !!
فاحيانا بالتوجه الغيبى للقلوب التى بين اصبعين من اصابع الرحمن ؛اللهم اعز الاسلام باحب العمرين اليك .وهو ما يعرف عند الساده العارفين .. بتربية السر .. وفيه قالوا  شيخك من يأمر معناك .. لا من يأمر مبناك.
واحيانا كان النبى يربى بالمدد الغيبى ، فيحمل من الهواء بيده ويضع فى حجر ابو هريره !! ويقول له خذ وخذ وخذ !! ثم يقول له اضمم رداءك , فيضم ابو هريره رداءه فيصير من اكبر الحفاظ وتتقوى ذاكرته حتى يصبح اعظم راو عن رسول الله ..
وتلك امور تربويه روحيه لا دخل لها بالعلم النظرى ..فلينتبه القارئ !!
ومرة اخرى يربى رسول الله بالضرب !!
والضرب هنا ليس ضربا للقسوه .. ولكنه ضرب بقوة روحانيه يملأها المدد ..
فنراه يضرب عمر ثلاث ضربات .. ثم يقول . اللهم اخرج ما فى صدره من غل وأبدله ايمانا.
ومرة اخرى يضرب صدر رجل يستأذنه فى الزنا ويقول:  اللهم حبب اليه الايمان وكره اليه الزنا، فيقول الرجل بعدها .. فقمت من بين يديه .ووالله ما من شئ احب الى من رسول الله ولا ابغض الى من الزنا !!
وهنا نحن امام نوع من التربية لا علاقة له بالتعليم العقلى .. وانما ضرب من ضروب الغيب والامور الروحانية العجيبه التى تقلب الموازين .. وتحول الاعرابى الجلف الكافر الى صحابى يفتح العالم شرقا وغربا ..
ومرة اخرى يربى رسول الله بالنظرة .. بل ويأمر الله المؤمنين ان يطلبوا من رسول الله النظرة .. ياايها الذين امنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا !!
فلم يكن امر رسول الله قائم على القاء الدروس الدينيه فقط ..
وتلك الاحوال النبويه هى التى ورثها من النبى السادة الصوفيه اهل الصفاء العارفين بالله ..
وعليه كانوا يربون مريديهم بالعلم والتربيه الروحية معا !!
وهذا هو الاصل الذى يفتقده الوهابيه .. فترى في دينهم الجفاف والمظاهر والقشور .
وهى الامور التى حاول ابن تيميه وتلميذه فى نهاية اعمارهم ان يقتبسوا منها ولو سرقه !!
فراحوا يسرقون علوم الصوفيه .. ويتكلمون فى احوالهم ومواجيدهم بدون ذوق .. وبدون ان يكونوا على احوالهم ومقاماتهم ،فخرجت علومهم ممقوته مكسوفه لا بركة فيها . تماما كما فعل صاحب الموضوع الاخ الشارف ..غفر الله له .
وما يوجد عند شيخ التربية من الوراثة للاحوال المحمدية النبوية .. هو اغلى شئ فى الوجود .. لانه شئ الهى صرف ..!!
ولذلك ترى العامة يقبلون على الشخص الذى يشمون فيه رائحة من تلك المواهب اللدنية. ولو كشف لهم على يديه ولو قطرة، ترى مدى تعظيمهم ومحبتهم له والقاء ارواحهم على عتبة اقدامه.
وما هذا الا تعظيم لله ..وفرح بوجود المدد الالهى فى هذا العبد الصالح .
وهذا ما غير مجتمعات واصلح امما وفتح مدائن على مدى العصور والازمان على ايدى الصالحين.
ولذلك لا يعلو على شيخ التربية شئ .. ومهما اوتى الانسان من علم ظاهرى فهو يخضع بفطرته لمن عنده قطره من تلك المواهب اللدنية .
وترى ذلك فى سيدنا موسى وهو على علم عظيم .. بل كان يكلم الله تكليما !!
وانزلت عليه التوراة والالواح فيها من كل شئ .. موعظة وتفصيلا لكل شئ ..
ومع ذلك كيف خضع وتذلل للخضر فى طلب العلوم اللدنيه منه .. وهى التربية الروحية الصوفيه ,,
وكان ذلك بامر من الله لموسى ..
فمن لا يطلب شيخا للتربية الروحية ..فهو يظن نفسه اعلم من موسى ..
وقد صدق الله عندما وصف من لا يجدون الاولياء المرشدين بانهم على ضلال .. بل ان الله هو الذى اضلهم ..يقول سبحانه :
“من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا”.
عبد الله الشارف

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة الأخ الفاضل أحمد الملثم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد
قرأت كلامك الموجه للقراء والمتعلق بشيخ التربية وشيخ العلم والتعليم موضوع المناظرة التي اهتم بها جمع غفير من زوار وقراء منتداكم الصوفي.
ولقد أعجبني هذا الكلام لاتصاله الوثيق بصلب الموضوع. ولولا اشتغالي بما يرتبط بالدخول الجامعي، لتناولته بالمناقشة والتحليل فورا. لكنني سأفعل ذلك بإذن الله بعد أيام قليلة ،

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أحمد الملثم

بسم الله الرحمن الرحيم

على الرحب والسعة اخى الكريم الدكتور عبد الله الشارف ،وانا منتظرك حتى تفرغ من كل ما يشغلك ..
ولا تستوحش منا اخى الكريم ..فلا يوجد عندى ولا عند سيدى على الصوفى ما يسوؤك .. وما نريد الا الاصلاح ما استطعنا وتصحيح المفاهيم . على الطريق القويم ..
ولك كل الاحترام الى شخصك الكريم برغم اى خلاف .!!
فنحن أهل الصفا لا نقبل الكدرا ..
.
فتوجهنا اليك انما نريد وجه الله فيك ، وما انت ونحن الا صور وتراب !!
والله من وراء القصد وهو الهادى الى سواء السبيل

عبد الله الشارف

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة الأخ الفاضل أحمد الملثم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد:
إذا اطلعنا على تاريخ الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى نهاية القرن الثاني للهجرة، لن نجد ذكرا لمصطلح شيخ التربية لفظا أو مضمونا بما يحمله من الحمولات والمعاني التربوية الصوفية، وليتصفح القارئ مثلا كتاب “صفة الصفوة” لابن الجوزي رحمه الله، ثم لينظر هل يجد أن أحدا من مئات الرجال المترجم لهم نعت أو وصف ب: شيخ التربية. وذلك راجع لأسباب جوهرية منها:

- 1  أن المسلمين، خلال هذين القرنين من الزمان، كانوا أحرص الناس على التقوى والاستقامة والتمسك بالكتاب والسنة،فلم يكونوا بحاجة إلى شيوخ التربية بالمعني الصوفي الذي أصبح متداولا في القرون اللاحقة. وبمعنى آخر، لم تكن هناك أزمات أومشاكل نفسية أوروحية متعلقة بضعف الإيمان. وإن وجدت فسرعان ما تعالج، إما عن طريق الصحبة الصالحة وما أكثرها في ذلك العهد، أو عن طريق اللجوء إلى شيخ فقيه عالم معروف بالصلاح والزهد، فيطلب منه النصيحة.
2- أن روح التربية الروحية والإيمانية، كانت تسري بين المسلمين بطريقة تلقائية، لأن مظاهر الحياة الاجتماعية كانت تعبر أصدق تعبير عن الاستقامة وحب الدين ونصرته، الأمر الذي بدأ يتغير بعد انصرام العقود الأولى من حكم العباسيين، وظهور نفود الفرس.
3- إن العلم أو الفقه والتربية كانا يشكلان وجهين لعملة واحدة، فالصحابي أو التابعي، أو من تبعه خلال تلك الفترة أو خلال تلك الحقبة الصافية، عندما ينفق أحدهم العلم، فإنه في الوقت ذاته يلقن التربية الروحية والإيمانية. فلم يكن هناك شيخ في العلم والفقه دون أن يكون شيخا في التربية.

يستنتج مما سبق أن إسم شيخ التربية لم يكن ينعت به أحد في ذلك الزمن أو ينادى به عليه أو يخاطب به، بل كان الشيوخ العلماء والفقهاء يمارسون العلم والفقه تحصيلا وإنفاقا، كما يمارسون التربية الروحية والإيمانية، ومن هنا فإن مصطلح شيخ التربية من المصطلحات المستحدثة.

والمسلم يحتاج في حياته إلى من يعلمه القرآن أو الحديث أو الفقه، أو يعلمه طرق وأساليب إصلاح النفس وتزكيتها. لكن ذلك المطلوب لا يتعين في شخص بذاته بحيث إذا انتسب إليه الطالب المستفيد يواليه وحده ولا ينفصل عنه، كما يفعل الصوفية مع شيوخهم، بل يستحسن أن يكثر من الشيوخ والعلماء، تماما كما يتغذى النحل وهو ينتقل بين الأزهار. وكل من قدم لمسلم فائدة فقهية أو تربوية فهو شيخه فيها، كما عليه أن يبحث عن الشيوخ والعلماء الربانيين الورعين الزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، فهم وإن قلوا لم ينقطعوا ولله الحمد.

وبهذه الطريقة يظل قلب المسلم معلقا بخالقه وبنبيه صلوات الله وسلامه عليه وسنته، مع الاستفادة من الشيوخ والعلماء. فلم يرتبط الصحابة ولا التابعون ولا من تبعهم بشخص واحد في العلم والتربية، وجعلوه محورهم ومستندهم الوحيد، لأن هذا الأسلوب أي أسلوب الاقتصار على شيخ واحد له عيوب كثيرة منها: أن أي شيخ أو فقيه أو عالم يعتبر غير معصوم، إذ قد تصدر منه أخطاء في الفقه أو التربية، تؤثر سلبا في عقيدة أو سلوك أتباعه أو تلاميذه وهم لا يشعرون،وذلك بسبب حبهم لشيخهم الوحيد وتعصبهم لطريقته أو لمذهبه. ولذا كان تعدد المشارب وموارد الفوائد بتعدد الشيوخ والعلماء، أسلم وأصوب وأهدى سبيلا.

والخلاصة أن كل مسلم يكون على علم بفقه العبادات، مطلع على السيرة النبوية وسير الصحابة والتابعين والأئمة، متخلق بأخلاق، راغب في التقوى والاستقامة،… يعتبر مؤهلا، بالقوة والفعل، للقيام بدور الشيخ التربوي إذا دعت الضرورة لذلك، ودون حاجة لأن ينعت بوصف شيخ التربية، أو يسعى للاتصاف بها والتخصص فيها حتى يعرف بها ويشار إليه بالبنان، إذ عندما يصل الأمر إلى هذا المستوى، قد يلج صاحبه باب الفتنة، فيفتن نفسه وغيره.

وبالمناسبة لا بأس من إطلاع القراء على أمر وقعت فيه دون قصد، له علاقة بقولي: أن كل مسلم …. يكون مؤهلا للقيام بدور الشيخ التربوي.

ذات يوم، قبل عشرين سنة خلت، كنت في طريقي إلى البيت، فالتقيت بأحد طلبتي في كلية أصول الدين، فحياني بتحية الإسلام، وطلب مني أن أستمع لكلامه، فاستجبت، ثم قال : “لقد أحاطت بي المشاكل من كل جانب حتى هممت بالانتحار !! إني قد رسبت في الامتحان النهائي للمرة الثانية، وفقدت منحة الطالب، وتوفي أبي منذ سنة وأنا أكبر إخوتي، وليس لي مال أساعد به أمي، كما يصعب علي أن أعثر على عمل يليق بسمعة عائلتي … فأنا أفكر في الموت “، فقلت له تعالى معي إلى المنزل. وبعد تناول وجبة الغذاء، هيأت لنا أم أولادي إبريقا من الشاي مع بعض الحلويات، وكنت بين الفينة والأخرى أطمئن الطالب الحيران وأردد له قول الله تعالى: “فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، ثم قلت له: سأساعدك في دراستك الجامعية هذه السنة كي تنجح وتحصل على المنحة من جديد. كما سأقدم لك بعض النصائح والإرشادات التربوية والإيمانية، وأهدي إليك إن شاء الله، بعض الرسائل والكتب المتعلقة بتربية النفس وتزكيتها. وكان ما قدمت له من النصائح كالتالي:
_ احرص على صلاة الجماعة في المسجد.
_ عليك بقراءة جزء من القرآن كل يوم.
_ أكثر من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
_ اجتنب الحرام وقول السوء والغيبة والكبر… واجتهد في التحلي بالأخلاق الحميدة.
_ أكثر من الدعاء مع الإلحاح، لا سيما في جوف الليل.
_ الزم صلة الأرحام وأحسن إلى إخوانك المسلمين ولو بالكلمة الطيبة.
بعد مرور شهر، زارني الطالب نفسه، وكان فرحا مسرورا جميل المحيا، وقال لي: لقد أنقدتني يا أستاذي من الهلاك، فقلت : أنقدك الله سبحانه وتعالى. يا أستاذي لقد بدأت الأمور تتحسن، إذ تغيرت رؤيتي لنفسي وللعالم، وبدأت أنظر إلى الأشياء والأمور نظرة تفاؤل، وقوي إيماني بالله، وصرت أحب الناس للصلاة والذكر، كما عثرت على عمل مؤقت، وسأجتهد في دراستي.

وحصل الطالب بعد ذلك على شهادة الإجازة، ثم فاجأني بزيارة أخرى بعد ما يقرب من عشر سنوات، وأخبرني بأنه قد تزوج وله أولاد ويعمل مرشدا دينيا تابعا لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، كما أسند إليه خطبة الجمعة، فسررت لحاله.

وقبل بضع سنوات، التقيت بأحد الإخوة من الأساتذة الجامعيين، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث حتى انتهينا إلى موضوع ضعف الإيمان الذي استشرى داؤه بين المسلمين، ثم قال لي: أسألك عن عمل يحبب إلي العبادة ويذيب قساوة قلبي. فأجبته قائلا: عليك بالقرآن وذكر الله ، فقال: أطلب منك أن تعلمني حب القرآن والذكر والسبيل إلى تزكية النفس، فقلت له: اسمع يا أخي، أنت أستاذ جامعي مثلي، فاجتهد كما يجتهد المسلمون الذين يرغبون في إزاحة غيوم الغفلة عن قلوبهم، فقال: أنا أريد منك نصائح عملية مكتوبة، أي برنامج عملي يتعلق بتقوية الإيمان وتزكية النفس، فقلت: لست شيخا تربويا صوفيا أوزع الأوراد وأعالج نفوس المريدين.. فما زال يلح حتى كتبت له نصائح وخطوات عملية على طريق تزكية النفس.

وذات يوم، وهو يستعد لقضاء فريضة الحج، قلت له:  بارك الله لك في حجك، ولا تنساني بالدعاء. ففاجأني قائلا: كيف أنساك وأنت لا تغيب عن ذهني يقظة أو مناما !! فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، قد يكون هذا من تلبيس إبليس، أو في أحسن الأحوال من أحاديث النفس، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور في صحيح ابن حبان:  الرؤيا ثلاثة، منها تهويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في اليقظة فيراه في منامه، وهو محل الشاهد، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. ثم قلت له:  وهذا باب من الأبواب التي ينفذ منها الشيطان إلى قلوب كثير من العباد الغافلين، وينفث فيها فيغدو العبد من الدجالين وهو يحسب نفسه من الواصلين.

هذا وقد حصل لي مع طلبة وأشخاص آخرين مواقف شبيهة بالموقفين المشار إليهما، حيث كنت أمام حالات متنوعة تستدعي العناية والتوجيه الإيماني.

وخلاصة القول أن التربية الإيمانية وظيفة تلقائية في المجتمع الإسلامي يمارسها العلماء والفقهاء الربانيون والدعاة الصادقون والخطباء وأئمة المساجد ، وكل مسلم تتوفر فيه بعض أوصاف التقوى والصلاح، ويأنس من نفسه القدرة على القيام بها. وليست حكرا على شيوخ التربية من الصوفية.

وليراجع القارئ مثلا المجلد السادس من كتاب “حلية الأولياء وطبقات الأصفياء” لأبي نعيم، يجد فيه من كبار علماء الفقه والحديث كحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري. وفي المجلد السابع هياك مثلا شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة والليث بن سعيد وغيرهم. وفي المجلد الثامن هناك الإمام الشافعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من رؤوس علماء الفقه والحديث ممن أدخلهم أبو نعيم في جملة الأولياء من كتابه “الحلية”   ، معنى هذا أن هؤلاء المذكورين وغيرهم كثير، كانوا علماء الفقه والحديث، وعلماء التربية والتزكية وإصلاح النفوس، أو علماء الظاهر والباطن، وهم في ذلك قد سلكوا طريق الصحابة والتابعين. والذين ساروا من بعدهم على دربهم ونهجوا نهجهم إلى يوم القيامة كانوا مثلهم في ممارسة علم الظاهر والباطن. حيث كانوا نماذج في العلم والفقه، وأئمة يقتدى بهم في التقوى والورع والزهد وحسن السمت. وقد كان تلاميذهم يعرفون كثيرا عن أعمالهم الروحية والإيمانية من ذكر وتلاوة وقيام الليل وصيام التطوع… وقد يخبرون عن بعض كراماتهم وأحوالهم الروحية، فيتأثرون بهم ويقتفون أثرهم بطريقة تلقائية، فيتبوؤون بدورهم منازل التقوى والصلاح والاستقامة دونما حاجة إلى أوراد أورسوم، أو طقوس وأعراف أو علوم لدنية وكشفية كما هو الشأن عند الصوفية.

وأتساءل بهذه المناسبة: لماذا لم يهتم الصحابة ولا التابعون، ولا أولئك الأئمة والعلماء والفقهاء المشار إليهم آنفا ولا الذين اقتفوا آثارهم ظاهرا وباطنا، بما اصطلح عليه الصوفية بالعلوم اللدنية وعلم الغيب ومائه !! وعلوم الكشف والمكاشفة، وما إلى ذلك من بحار المعارف والعلوم الروحانية والمعارج في السماوات…  ألأنهم كانوا أقل إيمانا وإحسانا وعلما من أوتاد الصوفية وأقطابهم وأبدالهم وشيوخهم؟؟ فكيف يعرج ابن عربي وأضرابه إلى السماوات ويرى ويسمع ويحس بالأحوال العجيبة مما ذكره رسائله وفتوحاته، حتى يغيب ويفنى عن وجوده، وهو القائل:

يحمدني وأحمده      ويعبدني وأعبده !!

كيف يعرج هذا، ولا يعرج الخليفة أبوبكر الصديق، ولا عمر، ولا علي، ولا الإمام أحمد، ولا ولا. !!؟..بل كيف يفتح على أوتاد الصوفية وأقطابهم وشيوخهم في العلوم اللدنية وعلوم الكشف التي سطرت في مئات الكتب والمجلدات، ولم يفتح على الصحابة والتابعين ومن تبعهم، بشيء من ذلك ؟؟
وإنما وصل إلينا من أخبارهم بعض الكرامات والفتوحات في فهم القرآن والسنة، وأحوال روحية إيمانية متعلقة بالزهد والتقوى والاستقامة. والتي لم يكونوا معجبين بها ولا سطروها في كتب، ولا ادعوا أن ذلك عنوان الاستقامة والمنزلة العظمى والوصول. ألا يسعنا ما وسعهم؟ ألا يكفينا شرفا ومنزلة أن نكون من المتقين فحسب، ونحظى بعدها بالولاية مصداقا لقوله تعالى: “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون” . فلماذا التنطع في الدين؟ ولماذا الغلو؟ ولماذا التطلع إلى ما يسمى بالعلوم اللدنية ولم يسع إليها الصحابة والتابعون والسلف الصالح؟؟

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عبد الله الشارف

بسم الله الرحمان الرحيم

حضرة الأخ الفاضل أحمد الملثم

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد:

تتمة لكلامي المتعلق بموضوع العلوم اللدنية عند الصوفية، أقول:

ولما أعرض المتصوفة عن العلم الشرعي، أو لم يتقيدوا بضوابطه وطرق تحصيله المعهودة، خالفوا وصية إمام الطريقة، أبي القاسم الجنيد رحمه الله، حيث يقول : “طريقنا مبنية على الكتاب والسنة….”، ووقعوا فيما أسموه : ” العلم اللدني”، الذي حسب رأيهم يقذفه الله في قلوب من يشاء من عباده المتقين الذين سلكوا درب التصوف، وأماتوا شهواتهم وأهواءهم بكثرة العبادة والرياضة النفسية، كما اجتهدوا في تخلية قلوبهم من الرذائل وتحليتها بالفضائل، كي تغدو محلا لورود الواردات، وتنزل العلوم والمعارف والنفحات.

وبالمناسبة أضع بين يديك ويدي القراء مجموعة من النصوص الصوفية التي تعكس علومهم ومعارفهم اللدنية!!:

يقول ابن الفارض متحدثا عن الذات الإلهية:

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها          وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت !!

………

ولولاي لم يوجد وجود ولم يكــن            شهود، ولم تعهد عهود بذمـة !!

فلا حي إلا من حياتي حياتـــه               وطوع مرادي كل نفس مريدة !!

……….

وكل الجهات الست نحوي توجهت                  بما تم من نسك وحج وعمرة !!

لها صلـواتي بالمقام، أقيمـــها                وأشهــد فيها أنها لي صلت[1] !!

وقال عبد الكريم الجيلي في الموضوع نفسه:

فمهما ترى من معـدن ونباتـه               وحيوانه مع انسه وسجـــاياه

ومهما ترى من أبحر وقفــاره               ومن شجر أو شاهق طال أعلاه

ومهما تـرى من هيئة ملكيـة         ومن منظر إبليس قد كان معناه

ومهما ترى من عرشه ومحيطه             وكرسيه أو رفرف عز مجـلاه

فإني ذاك الكل والكل مشهـدي               أنا المتجـلي في حقيقته لا هـو !!

وإني رب للأنــام وســيد             جميع الورى اسم وذاتي مسماه[2] !!!

وقال الشيخ الصوفي محمد الحراق التطواني في “تائيته”:

أتطلب ليلى وهي فيك تجلت

وتحسبها غيرا وغيرك ليست !!

فذا بله في ملة الحب ظاهر

فكن فطنا فالغير عين القطيعة

…………

كلفت بها حتى فنيت بحبها

فلو أقسمت أني إياها لبرت !!

ذهلت بها عني فلم أر غيرها

وهمت بها وجدا بأول نظرة

ولم أزل مستطلعا شمس وجهها

إلى أن تراءت من مطالع صورتي !!

………

وأصبحت معشوقا وقد كنت عاشقا

لأن ظهوري صار أعظم زلتي

………

ولي مقعد التنزيه عن كل حادث

ولي حضرة التجريد عن كل شركة

جلست بكرسي التفرد فاستوى

من الله عرش لي على ماء قدرتي !!

وقال في قصيدة أخرى:

كنت ما بيني وبيني

غائبا عني بأينــي

والذي أهواه حقا

لم يزل ذاتي وعيني !!

فانظروني تبصروه

إنه والله إنــــي. !!!

إن قول ابن الفارض:

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها          وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت !!

يفيد الإمعان والإغراق في الحلول ووحدة الوجود، إذ هو لم يكتف بإثبات هذا الشعور في حال أو مستوى “المحو”؛ الذي هو امحاء الكثرة والغيرية، وفناء السوية، وتجلي الوحدة المطلقة، حيث الخلق عين الحق والمربوب عين الرب، وإنما أكده، بكل استعلاء، حتى في حال “الصحو”؛ فذاته هي ذات خالقه سواء كان حاله محوا أو صحوا. كما يأبى هذا الضال، وهو في نشوة الاستعلاء والتيه والتكبر، أن يثبت لربه ذاتا إذ يقول:

وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت

فلم يقل: وذاتي بذاته أو ذاته بذاتي، وإنما قال، ليحكم بالعدم الصوفي على رب الوجود،: وذاتي بذاتي؛ فليس ثمة إلا ذاته.

وقريب من هذا المعنى قوله:

فوصفي، إذ لم تدع باثنين، وصفها    وهيئتها، إذ واحد نحن، هيئتي.

ولا داعي للتعليق على الأبيات الأخرى، كما أن المجال لا يتسع للتعليق على أبيات عبد الكريم الجيلي أو محمد الحراق، ويكفي القول بأنها تستمد معانيها من معدن واحد.

ويقول عبد العزيز الدباغ وهو يصف مظهرا من مظاهر “الحقيقة المحمدية”:

“اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات وحجب، وما فوقها وما تحتها إذا جمعت كلها، وجدت بعضا من نور النبي، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين فوق العرش، لتهافت، ولو جمعت المخلوقات كلها، ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت ولتساقطت”[3].

ويقول أيضا:

“رأيت وليا بلغ مقاما عظيما، وهو أنه يشاهد المخلوقات الناطقة والصامتة، والوحوش والحشرات، والسماوات والأرضين، ويسمع أصواتها وكلامها في لحظة واحدة، ويمد كل واحد بما يحتاجه”[4]. !!

ويقول أحمد التيجاني: “أخبرني سيد الوجود يقظة لا مناما: كل من أحسن إليك بخدمة أو غيرها، وكل من أطعمك يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب…”[5] !!

ويقول عن حقيقة القطبانية: “إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مطلقا في جميع الوجود جملة وتفصيلا، حيثما كان الرب إلها، كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله تعالى، فلا يصل إلى الخلق شيء كائنا ما كان من الحق إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود …ثم تصرفه في مراتب الأولياء، فهو المتصرف في جميعها والممد لأربابها، به يرحم الوجود، ذاته مرآة مجردة يشهد فيها كل قاصد مقصده”[6]. !!

وعن علم القطب يقول التيجاني: “ومما أكرم الله به قطب الأقطاب أن يعلمه علم ما قبل وجود الكون، وما وراءه، وما لا نهاية له، وأن يعلمه علم جميع  الأسماء القائم بها نظام كل ذرة من جميع الموجودات”[7].

وكلام عبد العزيز الدباغ وأحمد التيجاني، الذي فاض من بحر “العلوم اللدنية”، أيضا غني عن التعليق.

ولا أجانب الصواب إذا قلت بأن محيي الدين ابن عربي كان أكثر المتصوفة اهتماما بهذا المجال، بل يعتبره أهل التصوف إماما في العلم اللدني. ومن جملة أقواله الدالة على ذلك قوله :

“وما قصدت في كل ما ألفته مقصد المؤلفين ولا التأليف، وإنما كان يرد علي من الحق تعالى موارد تكاد تحرقني، فكنت أتشاغل عنها بتقييد ما يمكن منها، فخرجت مخرج التأليف لا من حيث القصد، ومنها ما ألفته عن أمر أمرني به الحق في نوم أو مكاشفة”[8].

وقوله في كتابه ” فصوص الحكم” : ” فإن حكم موسى كثيرة، وأنا إن شاء الله أسرد منها في هذا الباب، على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري فكان هذا أول ما شوفهت به “[9]. (!!)

ويقول عن كتابه ” الفتوحات المكية ” : “بنيت كتابي هذا، بل بناه الله لا أنا، على إفادة الخلق، وكله فتح من الله تعالى “[10].

ويقو في الكتاب نفسه : “الحمد لله الذي جعلني من أهل الإلقاء والتلقي”[11]. !!

ومن أشعاره في هذا المضمار، قوله :

قلمي ولوحي في الوجود يمـده          قلـــم الإله ولوحه المحفـوظ !!

ويدي يمين الله في ملـكوتــه            ما شئت أجري والرسوم حظوظ[12] !!

ويقول في كتابه “فصوص الحكم” أيضا:

“وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء. وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم. ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى إن الرسل لا يرونه، متى رأوه، إلا من مشكاة خاتم الأنبياء. فإن الرسالة والنبوة، أعني نبوة التشريع ورسالته، تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل في التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه. فإنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من وجه يكون أعلى. وقد أظهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم !وفي تأبير النخل ! فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة. وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله. هناك مطلبهم. وأما حوداث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها فتحقق ما ذكرناه”[13]. (!!)

ويقول في كتا به “فصوص الحكم” أيضا :

“أما بعد : فإني رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مبشرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده صلى الله عليه وسلم كتاب، فقال لي : هذا ” كتاب فصوص الحكم” خذه واخرج به إلى الناس يننتفعون به !!! فقلت : السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا، فحققت الامنية (أي أمنيته صلى الله عليه وسلم)! وأخصلت النية (لتنفيذ أمره) وجردت القصد والهمة (أي لم أربطهما بأي هدف دنيوي أو أخروي) إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي، رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان”[14].!!!!

ومما هو مسطر في كتاب ” الفصوص ” هذا من العلوم اللدنية الصوفية، قوله :

“ولما أحب الرجل المرأة، طلب الوصلة، أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أمر بالاغتسال منه ـ فعمت الطهارة، كما عم الفناء فيها ـ عند حصول الشهوة، فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره،(!!!) فطهره بالغسل؛ ليرجع بالنظر إليه فيمن فنى فيه، إذ لا يكون إلا ذلك، فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة، كان شهودا في منفعل، وإذا شاهده في نفسه ـ من حيث ظهور المرأة عنه ـ شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما تكون عنه، كان شهوده في منفعل عن الحق بلا واسطة، فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل؛ لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل، ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة؛ لهذا أحب صلى الله عليه وسلم النساء؛ لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله، وأعظم الوصلة النكاح [15].(؟!!!)

ولقد خوطب ابن عربي في نهاية معراجه بما يلي :

“أنت كيميائي، وأنت سيميائي، أنت إكسير القلوب، وحياض رياض الغيوب، بك تنقلب الأعيان أيها الإنسان، أنت الذي أردت، وأنت الذي اعتقدت : ربك فيك إليك ومبعودك بين عينيك، ومعارفك مردودة عليك، ما عرفت سواك، ولا ناجيت إلا إياك”[16].(!!!)

ومن أشعاره اللدنية التي يعبر فيها عن عقيدة وحدة الوجود، قوله :

فلولاه ولـولانــا               لما كان الذي كانــا !!

فإنـا أعبـد حقـا               وإن الله مولانــــا

وإنــا عينه فاعلم             إذا قلـت إنسانـــا

……

فأعطيناه ما يبــدو            بـه فينا وأعطانـــا

فصار الأمر مقسوما                 بإيـاه وإيــــانـا[17] !!

وقوله :

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي     إذا لم يكن دينه إلى ديني دانـي

لقد صار قلبي قابلا كل صورة      فمرعى لغزلان ودير لرهبـان !!

وبيـت لأوثان وكعبة طائـف وألواح توراة ومصحف قـرآن !!

أدين بدين الحب أنا توجهـت         ركائبه فالحب ديني وإيمـاني[18] !!

هذا غيض من فيض مما يتضمنه كلام ابن عربي من انحرافات وضلالات ومسوخات، يسميها علوما لدنية وفتوحات ربانية. ونظراؤه من الصوفية في هذا كثير؛ كالغزالي والسهروردي وابن سبعين والجيلي والتلمساني وغيرهم.

وللعلامة الفقيه محمد بن قيم الجوزية كلام في العلم اللدني يستحسن الاستشهاد به :

و”العلم اللدني” ثمرة العبودية والمتابعة، والصدق مع الله، والإخلاص له، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله، وكمال الانقياد له. فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه به، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ وقد سئل : ” هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ ـ فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقل وهو الديات، وفكاك الاسير وألا يقتل مسلم بكافر”[19]،  فهذا هو العلم اللدني الحقيقي.

وأما علم من أعرض عن الكتاب والسنة، ولم يتقيد بهما: فهو من لدن النفس والهوى، والشيطان، فهو لدني. لكن من لدن من؟ إنما يعرف كون العلم لدنيا رحمانيا: بموافقته لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل. فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني، ولدني شيطاني بطناوي. والمحك هو الوحي. ولا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما قصة موسى مع الخضر عليهما السلام: فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد، وكفر مخرج عن الإسلام، موجب لإراقة الدم.

والفرق: أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر. ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته. ولو كان مأمور بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه.. ولهذا قال له “أنت موسى نبي بني اسرائيل؟ قال: نعم” ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين. فرسالته عامة للجن والإنس، في كل زمان ومكان. ولو كان موسى وعيسى عليهما السلام حيين لكانا من أتباعه. وإذا نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام؛ فإنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

فمن ادعى أنه مع محمد صلى الله عليه وسلم كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة: فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق، فإنه بذلك مفارق لدين الاسلام بالكلية. فضلا عن أن يكون من خاصة أولياء الله. وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه[20].

نستخلص من هذه الإشكالية المعرفية التي جادل فيها الفقهاء خصومهم الصوفية، أن العبد المسلم يمكنه الظفر ببعض الثمرات العلمية والمعرفية عن طريق العلم اللدني. بيد أن هذه المعرفة المحصلة عن هذه الطريق ينبغي تمحيصها والتأكد من صحتها، بعرضها على الكتاب والسنة، إذ لا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعرفة اللدنية الصحيحة لا تنبت إلا في رياض القلوب التقية السليمة من البدع والانحرافات العقدية، ومن الأهواء والشهوات النفسية، تلك القلوب التي تنورت بالبصيرة.

إخواني، معشر الصوفية الأفاضل، لقد تبين لي من خلال هذا العمل أن المناظرة في القضايا المذهبية من أصعب أنواع المناظرات، لأن كلا المتناظرين يرى أن صاحبه أو مناظره غير متجرد من الأهواء والميولات . فالمعترض على التصوف البدعي الطرقي يعتبر لدى مناظره المتصوف، وهابيا أو جاهلا بالتصوف، ولو قدم هذا المعترض ألف حجة وبرهان. والأمر كذلك بالنسبة لمدعي التصوف إزاء مناظره المعترض.

فلو قال المعترض مثلا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تستحيل رؤيته يقظة بعد موته، بدليل أن ليس أحد من الصحابة أو التابعين ومن تبعهم بإحسان خلال القرون الأولى ادعى ذلك، وإنما ادعى تلك الرؤية شيوخ  وأقطاب بعد ظهور وتطور بدعة التصوف، لأجابه مدعي التصوف: إنك جاهل بعلوم القوم وأذواقهم أو مصاب بآفة الوهابية. بيد أنني أتساءل: لماذا لم يقم أحد من هؤلاء الأدعياء بدعوة الناس لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه أو حضر معه حتى يقيم الحجة على المعترض أو الوهابي؟ أليس لأنه يفتري أو خيل إليه أنه يراه؟

وكذلك إذا قال المعترض: إن المسلم لا يستطيع الطيران في السماء بدون آلة، ولا يستطيع إقامة صلاة الظهر في أقصى المشرق وصلاة العصر في أقصى المغرب دون الاستعانة بوسيلة نقل، ولا أن يستجيب، وهو ميت في قبره، لمستغيث يستغيث به، ولا أن يتصرف في أحوال الناس وأرزاقهم كما يفعل الأقطاب والأبدال والأوتاد، لأجاب مدعي التصوف أن كل هذا يستطيعه شيوخ التصوف وأقطابه وأوتاده، ولا دليل له على ذلك سوى أنه مسطر في كتبهم كما أنه يجري على ألسنتهم. وقس على هذا ما لا يتسع المجال لذكره من الترهات والطامات والمسوخات.

وكذلك إذا قال المعترض: هذا الذي تسمونه علوما لدنية لم يكن موجودا عند الصحابة والتابعين، ولا يشبه من قريب ولا من بعيد إلهاماتهم وفتوحاتهم في فهم الدين وإدراك حقائقه. فمن من الصحابة أو التابعين تفوه بكلام من جنس كلام ابن الفارض في تائيته، أو الجيلي في كتابه؛ “الإنسان الكامل” أو في قصيدته المشار إليها آنفا، أو ابن عربي في “فتوحاته” أو “فصوصه”،أو الدباغ في كلامه الذي لم يحسن دباغته، أو الشعراني أو التيجاني أو ابن عجيبة أو الحراق…. لأجاب مدعي التصوف بالجواب نفسه، ولا دليل يستدل به سوى الهوى.

ولوقال المعترض: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تجعلوا قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”[21]. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: “لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”[22] .

وقال صلى الله عليه وسلم: ألا وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أوليائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، اني أنهاكم عن ذلك.”[23]

وعندما خالفوا أمره صلى الله عليه وسلم، جرهم ذلك الى مفاسد عظيمة، حيث اعتقدوا في أصحاب الأضرحة الضر والنفع وقضاء الحوائج، وتقربوا اليهم بالذبائح والقرابين، وطلبوا منهم ما يطلبه العباد من ربهم، واستغاثوا بهم الى غير ذلك من ألوان الشرك التي تفسد العقيدة. أقول: لو قال المعترض كل هذا لأجابه المتصوف الطرقي: أنت تنكر بركة الأولياء ونفعهم للعباد، وتنفي كراماتهم وما خصهم الله به، وما يشبه هذا الكلام.

ولو قال المعترض: ان كل واحد من الشيوخ الطرقيين يزعم أنه تلقى ذكرا وأورادا خاصة بطريقته من الغيب، اما من الله مباشرة، أو من الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة أو مناما، أو من الخضر عليه السلام، مثل ما هو موجود في الطريقة التيجانية، حيث يجلس المريد الذاكر جلسة التشهد، مغمضا عينيه، مستحضرا صورة الشيخ أحمد التيجاني، شيخ الطريقة، ويتخيل أن عمودا من النور يخرج من قلب الشيخ ويدخل في قلبه.

ولهم ذكر آخر يوم الجمعة عند الغروب، حيث يرددون لا اله الا الله ألف مرة مع السماع؛ وهو انشاد شئ من الشعر بالغناء والترنم جماعة ، ثم يقولون: الله حي، والمنشد ينشدهم وهم قيام حتى يخلص عند الى لفظ : آه، آه، آه. ويسموه هذه الحالة: العمارة. ثم يصلون صلاة الفاتح لما أغلق خمسين مرة، ثم لا اله الا الله مئة مرة، ثم صلاة جوهرة الكمال اثني عشرة مرة. وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة، يحضرون، في زعمهم، عند قراءة جوهرة الكمال، لذا يجب التطهر بالماءن وليس التيمم، قبل قراءتها. ومن شروطها أيضا تهييئ الفراش الطاهر الذي يسع خمسة أشخاص، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر ومعه الخلفاء الأربعة !!!؟[24] .

ان العبادات التي شرعها الله توقيفية فلا مجال للرأي فيها، ومع كل هذا الانحراف لا يستحيي الصوفية الطرقيون ولا يردعهم عقل أو دين من الزعم الدائم أنهم يهتدون بالكتاب والسنة.

أقول: لو قدم المعترض هذا الكلام وأثبته بالحجج والبراهين، فان المتصوف الطرقي لن يعدم جوابا من جنس الأجوبة السابقة التي تنبت في أرض الأهواء والشركيات والضلالات.

اخواني الصوفية: قال عبد الله ابن مسعةد رضي الله عنه: “من كان منكم مستنا، فليستن بمن كان مات، أولئك أصحاب محمد، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيهم واقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فانهم كانوا على الهدى المستقيم”.[25]

فمن خالفهم زاعما أنه أتى بطاعة و قربة، فلا يخلو حاله من أمرين: اما أنه جاء ببدعة ظلما، واما أن يكون مدعيا فاقهم فضلا وعلما، بل كان مالك رحمه الله تعالى يقول: “من أحدث في هذه الأمة شئ لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: “اليوم أكملت لكم دينكم”، فما لم يكن يومئذ دينان لا يكون اليوم دينا”.[26]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد”.[27] أي مردود على صاحبه غير مقبول. وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، فلا تعبدوها فان الأول لم يدع للآخر مقالا”.

اخواني الصوفية: ان التصوف الطرقي ملئ بالبدع والمخالفات والضلالات، بدءا من أخذ العهد وتقديس الشيوخ أحياء وأمواتا، والاستغاثة بهم، ومرورا بالقبورية والمواليد والمزارات، ثم طي الزمان والمكان والكشوفات والمعارج، وهم جرا ومسخا… كل هذه المظاهر البدعية المستحدثة وغيرها، يدين بها الصوفية الطرقيون، ويتقربون بها الى الله، وهم بذلك خالفوا أمر الله ورسوله، حيث أنهم أدخلوا في عبادتهم لله ما لم يأمر به. ومن هنا فاني أخشى أن يصدق عليهم أو يعمهم قوله تعالى: “فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” (سورة النور: 63).

إخواني المتصوفة الأفاضل؛ كلانا متمسك برأيه ومدافع عنه، فلا معنى للاستمرار في هذه المناظرة، ولذا فإنني قررت التوقف عن الحوار معكم في هذا الموضوع، وسوف أقوم، إن شاء الله، بطبع هذه المناظرة ونشرها كي يستفيد منها القراء.

أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا السداد في القول والعمل. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف.

تطوان، صفر الخير 1432 هجرية يناير 2011 ميلادية.


[1] – انظر “تائية” ابن الفارض.

[2] – انظر “الإنسان الكامل” عبد الكريم الجيلي.

[3] – عبد العزيز الدباغ: كتاب الإبريز الجزء الثاني، ص 84.

[4] _ المرجع نفسه ج 2  ص 73.

[5] _ علي حرازم؛ “جواهر المعاني في فيض التيجاني”، ص 97 وما بعدها.

[6] _ المرجع نفسه ص 81.

[7] – المرجع نفسه ص 79.

[8] – ابن عربي : “التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية”، بيروت 1981، ص 17.

[9] – ابن عربي ” فصوص الحكم “، تحقيق أبو العلا عفيفي، بيروت 1980، ص 197.

[10] – ابن عربي “الفتوحات المكية ” المجلد 4، ص 47.

[11] – المرجع نفسه، مجلد 1 ص 58.

[12] – ابن عربي : “التدبيرات الإلهية …..”، ص 162.

[13] – فصوص الحكم، ص 62-64.

[14] – فصوص الحكم ص 47.

[15] – عبد الرحمن الوكيل : ” هذه هي الصوفية، بيروت 1984، ص 39 – 40 “.

[16] – ابن عربي : “الإسرا إلى مقام الأسرى، أو كتاب المعراج”، بيروت 1988، ص 168.

[17] – المرجع نفسه، ص 143.

[18] – ابن عربي : “ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق”، ص 39.

[19] – رواه البخاري.

[20] – المدارج، مجلد 2 ص 536 – 537.

[21] -  الموطأ  416.

[22] -  البخاري 1390

[23] – مسلم 532

[24] -  انظر أحزاب وأوراد التيجاني، ص 13-14

[25] – انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص 383.

[26] -  أبو اسحاق الشاطبي؛ الاعتصام، ج2 ص 53

[27] -  رواه البخاري.

تعليق واحد في “مناظرة صوفية (الجزء الخامس والأخير)”

  1. Sunshine كتب:

    Stay infromvatie, San Diego, yeah boy!

اترك تعليقك